سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

د. ضياء الصفار - العرب بين الوعي والتضليل


                        بسم الله الرحمن الرحيم

 لقد كرم الله سبحانه أمة العرب بحمل الرسالات السماوية للبشرية جمعاء,وذلك لمواصفات أمتلكها العرب آنذاك ولم تتهيأ
 لغيرهم فرصة أمتلاكها , وأهمها حالة الوعي المتقدم التي يتميز بها الأنسان العربي وقدرته على أدراك الواقع وما يحيط

  به من ظواهر ,أضافة لقدرته الفائقة على تحمل المسؤليات الجسام الكبيرة والمهمة كالرسالات السماوية..كما أن الله جلت
  قدرته لم يرسلها لرسله بوقت واحد أو في فترات زمنية متقاربة ,وأنما أخضعها الخالق سبحانه لمراحل وفواصل زمنية
  مناسبة لتعزيز حالة التراكم المعرفي وتحقيق تراكم الوعي من خلال أدراك الواقع والحقائق المحيطة بالأنسان والتطور
 الحاصل في المجتمعات الأنسانية ليتمكن الأنسان العربي من التعامل مع الأفكار الجديدة من خلال أستيعاب وأدراك الحقائق
  من حوله ...ومن أبرز هذه الحقائق هي حينما يدرك العربي حقيقة أنتمائه لأمة العرب بكل ما تمتلكه من خزين حضاري
 وتراث تأريخي والتي بدورها عززت الأنتماء الروحي والعقلي والفكري للأمة العربية الذي تكون نتيجة حالة الصراع والتحدي
 الدائم مع الذات من أجل الوصول الى الحقيقة وأدراكها والتي حققت تطورآ أيجابيآ في عملية الوعي من خلال معرفة الأشياء
  بصورها وسماتها وحقيقتها مما أنعكس أيجابيآ أيضآ على طبيعة الشخصية العربية بصفاتها وطباعها المعروفة .

   مما تقدم نخلص الى أن العرب قد تهيأت لهم فرص تطوير الذات العربية بسبب تصديهم ومواجهتهم لتحديات خارجية جسيمة
          وخطيرة أنعكست أيجابيآ في تصعيد حالة التحدي مع الذات مما أدى الى أنطلاق قدرات أبداعية كبيرة في كافة مجالات الحياة
          حيث شكلت الحضارة العربية عاملآ مهمآ في أطلاق هذه القدرات العلمية والثقافية والفكرية التي وصلت الى أوج تقدمهاوتطورها
          وساهمت في تحقيق عملية التواصل الحضاري والأنساني مع حضارات العالم الأخرى ,وكانت عاملآ مهمآ في عملية التشكل الحضاري
          للغرب وتطورحضارته وأنطلاقها نحو الأمم الأخرى .
         
          أذن فأن عملية الوعي يمكن أجمالها : بأنها الحالة العقلية التي يتم من خلالها أدراك الواقع والحقائق التي تجري من حولنا وذلك عن
          طريق التواصل مع المحيط والأحتكاك به مما سيسهم في خلق حالة التفاعل مع ما يحيط به من ظواهر وحقائق . أن شباب الأمة
          الأمة العربية تحديدآ مطالبون اليوم بأكتشاف أنفسهم وطاقاتهم من خلال الوصول الى حالة الوعي المتقدم والتراكم المعرفي مع
          أدراك الذات والواقع معآ وما يدور حولهم من أحداث وحقائق لأنهما العنصران المهمان في عملية النهوض والتطور والتقدم....
         لكننا اليوم ومع الأسف نجد أن شباب الأمة قد أتجه الكثير منهم بأتجاه فقدان الوعي وأنعدام الرؤية السليمة وبالتالي فقدان البوصلة
         وأتجاهاتها الصحيحة ,وبات معظمهم يعانون من حالة فقدان مؤقت للوعي والذي غالبآ ما يكون وعيآ زائفآ مضللآ .
         فالوعي الزائف: هو ذلك الوعي الذي لم يدرك الأمور على حقيقتها ,مما سيجعل تقييم القضايا والحكم عليها حكمآ خاطئآ لا يستطيع
         أي منا مقاربة الصواب بأي شكل من الأشكال , وهذا ما يعاني منه الكثير من شبابنا وأبناء شعبنا في المرحلة الراهنة والخطيرة التي
         تمر بها الأمة العربية وأقطارها, بدءآ بالعراق ..حيث بات العراق وفي ظل ظروف الأحتلال الأمريكي الصهيوني الغاشم ومن ثم
         الأحتلال الأيراني الصفوي مثالآ صارخآ لأختلال الوعي وفقدان البوصلة لأنعدام الرؤية الصحيحة وغياب حالة الأدراك المعرفي
         لما يدور سواءآ داخل العراق أو على مستوى الأمة وأقطارها كسورية واليمن وليبيا وقبلها فلسطين .
        نحن ندرك ما تعرض له شعبنا ولم يزل من عمليات تضليل أعلامي وتجهيل وتعطيل للعقل العربي وفق أستراتيجيات أعدت لهذا الغرض
        وبشكل منظم وممنهج لتعطيل قدرات الأمة الأساسية وقواها الفاعلة والحية , فالأمة تتعرض الى حرب جيوبولوتيكية تهدف الى تجريد
        الأمة العربية من عوامل قوتها وتعطيل قدراتها وقواها الحية , وذلك من خلال :
                       
                   1- التضليل الأعلامي والسياسي والأقتصادي والثقافي والتربوي والموجه الى شعبنا العربي على مستوى الأمة,
                       وفق خطط وسياسات ممنهجة أعدتها الماكنة الأعلامية العملاقة للصهيونية العالمية التي تفرض سيطرتها
                       المطلقة على كافة وسائل الأعلام ووسائل الأتصالات في العالم .
                   2- شيطنة الفكر القومي ورواده ورموزه من القادة القوميين التأريخيين في الأمة العربية كالقائد العربي الشجاع
                       جمال عبد الناصر رحمه الله والرئيس القائد الشهيد الخالد صدام حسين رحمة الله عليه .
                    3- ضرب المنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع العربي وتحويل نمط العلاقات الأجتماعية القائمة على القيم والمباديء
                      العربية الأصيلة بكل سماتها الأنسانية الى علاقات مادية صرفة قائمة على حب الذات والمصلحة الشخصية وتغليب
                     الذات على المجموع .
                 4- تدمير ممنهج للنظام الأقتصادي وبناه التحتية للأقطار العربية ,وما حصل في العراق خير دليل ,حيث دمر أقتصاده وشاع
                     الفساد والسرقة مما أدى الى أفقار العراق وشعبه وتجويعه وأذلاله بالرغم من غناه المعروف للجميع .
                5- العمل على تجهيل وتعطيل العقل العربي وفق صيغ وخطط أعدت سلفآ وعلى شكل أستراتيجيات ودراسات وكتيبات
                    ووثائق أحيانآ وكما ورد في الوثيقة (السرية للغاية) والموسومة : الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة .. والتي يعود
                    تأريخها الى مايس \1979 , وتعتبردليلآ للتحكم بالشعوب من خلال السيطرة على المجتمعات ,حيث عثر عليها المفكر
                    اليساري الأمريكي نعوم تشومسكي عام 1986 عن طريق الصدفة ,والتي أستند أليها في أصدار مداخلته الشهيرة
                    (أستراتيجيات التحكم والتوجيه العشر) التي تعتمدها دوائر النفوذ في العالم للتلاعب بالمجتمعات الأنسانية وتوجيه
                    سلوكهم والسيطرة على أفعالهم وتفكيرهم ,ومن ثم تدجين المجتمعات والسيطرة على مقدراتها . وفي العراق تم
                    تطبيق الكثير من هذه الأسترتيجيات أن لم يكن جميعها , سنتطرق الى أهمها :
                                  أ- تدمير النظام التربوي والعلمي والتعليمي وألغاء نظمه وتقاليده وتحطيم بناه التحتية ,وعدم الأهتمام
                                     بالطالب والمدرس والمنهج وهم عماد العملية التربوية .
                                 ب- تدمير الجانب الروحي المرتبط بالديانات والمذاهب والطوائف والذي على أساسه تشكلت دائرة العلاقات
                                     الأجتماعية داخل العراق القائمة على مبدأ (المواطنة) الحقيقية المرتبطة بكل ما يمت للعراق من صلة,
                                     فالأنتماء الروحي للأنسان تتولد عنه حزمة من المشاعر والأحاسيس الوجدانية ترتبط بما يؤمن به من
                                     عقيدة دينية أو مذهبية أو عرقية ,فتدمير المساجد والكنائس والرموز الدينية والأثار الكبيرة الشامخة
                                     لمئات وآلآف السنين ما هو ألا تطبيق حرفي وواقعي لهذا المخطط الشرير الخطير .
                                ج- الأمعان في تقسيم المجتمع العراقي طائفيآ وعرقيآ تمهيدآ لتقسيمه الى أقاليم أو كيانات هامشية صغيرة
                                     وضعيفة لا تمتلك الحد الأدنى من مقومات الدولة .
                                د- ترسيخ ممارسات التجهيل والتعطيل للعقل العراقي من خلال المبالغة والغلو في ممارسات وطقوس غريبة
                                   عن مجتمعاتنا ولا تعبر عن حالة أيمانية بالحدث , مما أدى الى سيادة مفاهيم ومفردات تدعوا الى تقسيم
                                   وتفتيت المجتمع .

لقد أصيبت نسبة غير قليلة من المثقفين العراقيين والعرب أزمة وعي وأختلال في الرؤى والتصورات مما عرضهم الى الشطط والرؤى
المبهمة في تشخيص الواقع السياسي ومفرداته في ظل الأحتلالين الأمريكي الصهيوني والأيراني الصفوي نتيجة لما يتعرض له العقل
العربي والعراقي بشكل خاص الى تعطيل وتجهيل وتغييب بفعل ما أشرنا أليه , والذي ترتب بموجبه أستهداف وضرب المنظومة
الأخلاقية للمجتمع العراقي التي تحكمها قيم ومباديءسماوية ووضعية ترتكز الى مجموعة قيمية أساسها العادات والتقاليد والأعراف
النابعة من روح الأمة العربية ,حيث قلبت المفاهيم والقيم الفاضلة التي كانت تحكم حركة المجتمع العربي عمومآ ,والعراقي بشكل خاص
لأنه رأس الرمح ورأس النفيظة في عملية التصدي للمشروع الكوني الذي أستهدف ولم يزل الأمة العربية في هويتها ووجودها .
فمنذ الغزو والأحتلال الغاشم البغيض عمد المحتل الأمريكي الصهيوني والأيراني الصفوي الى فرض وسيادة مفاهيم لم تكن معتمدة في
تأريخ الأمة وسياقها الأنساني لاسيما في العراق الذي يمثل قلب الأمة وجهاز مناعتها الروحي والفكري,حيث ضربت منظومته الأخلاقية
في الصميم وتناثرت القيم والمباديء الحاكمة للمجتمع وتجسد ذلك في سلوكيات وتصرفات غريبة وهجينة مما أدى الى فقدان الشخصية
العراقية جوهرها الأنساني الحقيقي وبالتالي الى أختلال التوازن في المجتمع العراقي عمومآ .


وبضوء ما تقدم نجد أنفسنا أمام تحدي كبير ومهمة نضالية تتمثل في التفكير بالوسائل والأساليب الكفيلة بتحصين العقل والفكر العربي
وحمايته من الشطط والأنزلاق ومن الأفكار المخربة التي تهدف الى تعطيل القوى الفاعلة في الأمة وذلك من خلال الوسائل المتاحة في
الظروف الراهنة سواءآكان على المستوى الداخلي المركزي أو على المستوى العام , كما سبق وأشرنا الى أننا نتعرض الى حرب
جيوبولوتيكية تستهدف تجريد الأمة من عوامل قوتها المادية دون أن تضع في حساباتها العمق الروحي والذي يشكل عاملآ مهمآ في
حياة العرب كونه يرتبط بالرسالات السماوية التي أرسلها الله سبحانه وتعالى الى البشرية من خلال أرض العرب ,فضلآ عن الديانات
والعقائد الأخرى التي ساهمت هي الأخرى مجتمعة في بناء شخصية الأنسان العربي وحددت ملامح تفكيره الأولى التي تطورت
بفعل التطور الأنساني .....من هنا مطلوب منا جميعآ التركيز على هذا العنصر المهم الذي يجعل حالة الأنتماء شاخصة دائمآ
والدفاع عنها يشكل حتمية لكل من ينتمي الى عقيدته مهما كان نوعها .
أضافة الى التركيز على الخطاب القومي الموحد في الرؤية والتشخيص والموقف ,وأحياء الأدب السياسي القومي وأستذكار رموز
ورواد الفكر القومي العربي الذين ساهموا بكتاباتهم وبقدر كبير في تصعيد وتأجيج الشعور القومي على مستوى الأمة العربية .


د. ضياء الصفار
  4 \ أكتوبر\ 2017

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018