سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

(موقف نبض العروبة المجاهدة للثقافة والاعلام) العلاقات بين الأنظمة العربية: بين ما قد مات ودفن وبين ما هو أقرب للمستحيل


 أبوالحسنين علي/ اعلامي عراقي 
      عندما يتحدث مواطن عربي قومي الروح والهوى ولا يرى في جنسيته القطرية الا جزءا من الوجود القومي للامة العربية, حين يتحدث هكذا مواطن عربي عن الانظمة العربية والعلاقات البينية بينها فانه يكون واقع سلفا في معضلة عدم ايمانه بهذه الانظمة أصلا ولا بوجودها الذي تم في ظروف ملجئه كريهة ألزمت العرب جورا وقهرا على القبول بها والانتماء اليها من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية . والحديث عن أمر انعدمت فيه القناعات وتم الرضا عنه والتوافق معه أجبارا قهريا هو من بين أكثر أنواع الكتابة ايلاما. 

   ولكي لا نقع في أي تناقض ولكي لا نجر الى أحلام يقظة علينا أن نؤكد ان الانظمة القطرية قد ولدت لتسد الطريق على الوحدة العربية ولكي تجف على الحدود الوهمية لها منابع الانهر القومية المنطلقة والمبنية والمؤسسة من وحدة الامة الجغرافية والتاريخية والثقافية والحضارية . وهذا الانقطاع لم يكن خيارا عربيا لأي من المسميات التي نعرفها اليوم ونتعاطى معها كأمر واقع حتى ولو انه وجد من يتبناه من العرب لأغراض التوافق فحسب أو نتيجة القبول بالفرض أو أملا في أن يتغير القهر يوما وتسقط الحدود. 
  ولان القوى الاستعمارية التي فرضت علينا التجزئة وأقامت الكيانات القطرية لم تكتف بهذا الاجراء ولم تنته أدوارها عند هذا الحد فقد باشرت بادامة عوامل التجزئة وهي عوامل مختلفة ومتعددة ومنها ما هو مرتبط بترصين الحالة الوطنية لكل قطر عربي على حدة لكي يبدو الكيان الوطني غير مكترث ولا يشعر بحاجة ملحة لجاره الشقيق العربي وبالعمل على خلق خصائص يتسم بها كل قطر عربي حتى تتكرس حالة تعدد (الشعوب) ازاء الحالة الاصيلة والحقيقية التي هي جوهر العرب وهي انهم شعب واحد ومعهم من عاشرهم وبنى وأسس معهم حضارتهم العريقة من الاعراق الاخرى الموصوفة بالأقليات. 
  ولعل عقد اثبات الذات القطرية قد تم تأصيلها عند الانظمة التي تقف على مساحة جغرافية صغيرة مقارنة بالأقطار العربية الاخرى ذات الجغرافيات الشاسعة وأخطر ما في اتجاهات تأكيد الحضور الفاعل هذا هو الاتجاه لإيذاء الكبار جغرافيا وتقليم أي نمو لأظافرهم قد يفضي الى فعل وحدوي بأية صيغة من صيغ الوحدة فتكونت عناصر التشويش في العلاقات والقلق والريبة وانعدام الثقة عند الصغار ( جغرافيا ) قبل أن تتشكل عناصر التمزيق المنظم للأمن القومي عند من يمتلكون من حكامنا قدرات ( أكبر ) مرتبطة بسعة الجغرافية وكثافة السكان.
     أما احتلال واستعمار أجزاء من الارض العربية فهو عامل اخر أقحم تدريجيا وبفعل فاعلين عوامل البغضاء وانعدام الثقة والشعور الدائم بالقلق والخوف على الحالة القطرية عند أصحابها والمتمسكين بها والذين هم في تناقض عجيب لا ينكرون عروبتهم ولا يعلنون صراحة عداوتهم للمنهج القومي غير أنهم يتامرون على العروبة وعلى المنهج القومي في ذات الوقت. ان من النادر أن تجد حاكما عربيا ينكر وحدة الارض والانسان العربي لكن جل الحكام العرب لا يجدون أي حرج في ضرب الوحدة العربية سرا وعلنا اذا بان أي نجم ينير مساراتها لتدوم الظلمة ويبقى الحلم حلما . 
  المحنة العربية الاخرى جاءت على هامش مسيرة الاحزاب القومية التي تصدت لقيادة المشروع القومي وتعرضت لأنواع من التآمر الداخلي والخارجي لحرفها عن مسارات عملها الوحدوية وتعطيل الدور الذي نجحت في تحقيقه عبر نجاحها في خلق الصلات الجماهيرية الواسعة والانتشار الشعبي العظيم وفي طليعة هذه القوى والحركات والاحزاب هو حزبنا العظيم حزب البعث العربي الاشتراكي الذي واجه خطوط تعطيل منها :
 الاول : انشاء أحزاب قومية تحمل ذات أهداف ومبادئ البعث غير انها ليست بعثية وأسست فقط لتسحب البساط من تحت أقدام البعث سواءا في الصلة بالجماهير أو بجزئية مسألة قيادة المشروع القومي . وقد استطاع بعضها التأثير في قرارات أنظمة عربية وتوجيه قرارات ومواقف تلك الانظمة ضد البعث.
 الثاني : التآمر الداخلي على البعث والذي أنتج الردة الشباطية السوداء في سوريا وكان ولا زال لهذه الردة فعل مؤذي ومحبط وخالط للأوراق والالوان أثار زوابع من الاتربة والغبار والممارسات الكارثية على مسارات النضال والامن القومي منها تعاون النظام مع ايران في حربها العدوانية ضد العراق واشتراكه رغم انه يحمل اسم البعث في حفر الباطن ودوره المشبوه في غزو العراق ومن ذلك تسليم مناضلين عراقيين انسحبوا الى سوريا الى سلطة الاحتلال وابعاد اخرين من سوريا ليقعوا في كماشة الغزاة والمصير المجهول وممارسة ضغوط وتحريك جناح اخر للردة من بعض الذين قبل النظام ايواءهم . هذا فضلا عن عديد المؤامرات التي خدشت جسد البعث في العراق وصنعت أحداثا مؤلمة ما كان لها لتقع لولا الدور الاجرامي لنظام الردة الاسدي. 
     ورغم ان تكوين الدول القطرية قد خلق البيئة التي تتعاطى مع التجزئة كأمر واقع غير ان القوى المعادية للوحدة العربية والراصدة لأي حراك عربي رسمي أو شعبي يعمل باتجاهها لم تكتف بالعزلة التي أنتجتها سايكس بيكو بل عملت جاهدة على تعميق الخلافات البينية بين الانظمة العربية التي برزت أكثر ما برزت في أزمات عربية معينة ومحددة وكأنها قد صممت لترافق التعقيد حيث كان بوسع النظام العربي ان ينتج الحل بل انه واقعيا قد أنتجه غير ان التدخل الاجنبي الغى الحل العربي وحولة الى جرح عربي ثم جاء حصار العراق الذي دام أربعة عشر عام تقريبا انتهت بالغزو الكوني واحتلال العراق بزعامة الولايات المتحدة الامريكية وما رافقه ونتج عنه من ابتعاد شاسع عن روح الوحدة والامن القومي ومن ثم تعرض النظام العربي الى كارثة الاذعان الى الارادة الغازية المحتلة والتعاطي مع السلطة التي ركبها الغزاة ووصلت حالة الوهن في العلاقات البينية القطرية الى أسؤا حالاتها عندما شارك العرب الرسميون في اسقاط النظام الليبي تحت قيادة حلف الناتو ومن ثم انفتحت صفحة شرخ عميق اخر تحت مسمى (الربيع العربي).
 لقد برزت بعد غزو العراق وليبيا على السطح ظاهرة مرضية جديدة في العلاقات بين الدول القطرية تمثلت باستخدام الجغرافيات العربية الصغيرة ذات الثروات الطائلة بزمام حصان أحزاب الاسلام السياسي واستغلت نزعاتها المستقتلة المستميتة للوصول الى كراسي السلطة ومنحتها فرصة العبث في العديد من الاقطار العربية المهمة وتمكنت من بعثرة الكثير من قضاياها التي كانت تبدوا أكثر انتظاما وأقرب الى الهم العربي القومي من جهة وأتاحت الفرص لدول غير عربية لمد مخالبها والمشاركة في محاولات رسم خارطة جديدة جغرافية وسياسية لتلك الاقطار العربية.
   ان الفلسفة السياسية التي طفحت عند بعض الانظمة القائمة على جغرافيات صغيرة ومال وفير واعلام نافذ ومؤثر ترتكز على قوة الغرب وعلى الاعتماد على تلك القوة واهمال أو العمل على بعثرة أحوال أنظمة عربية أخرى . التوجهات القديمة - المتجددة في الركون الى سياسة الاستقواء بالغرب وأميركا سحبت العديد من الدول العربية الى توجهات فرعية هي اللجوء , كجزء من ناتج التبعية القهرية أو الطوعية, الى علاقات مؤذية للعرب مع دول اقليمية كانت العلاقة معها تحت جناح الاسلام السياسي أيضا .
  ان المناضل القومي الذي يبحث الان ضمن نشاطه الفكري عن الوهن والخلل في العلاقات العربية - العربية الرسمية يجد نفسه في هذه الدوامة والشروخ والجروح التي خلق جزئها الاعظم من قبل الانظمة العربية نفسها . وسيجد الباحث المجرد من أي غرض سياسي أو شخصي ان العلاقات البينية لم تكن هي السبب الاخطر في ابتعاد العرب عن وحدتهم القومية البديهية بل ان وجود الدولة القطرية بالأساس هو منطلق وأداة ومسارات ذاك الابتعاد. 
   ان خلق القطرية كان هو وسيلة خلق التجزئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وان معظم النظام العربي من يوم ما تشكل بعد اتفاقية التجزئة التي أصدرها سايكس وبيكو قد نحى الى الاعتماد على الدول الكبرى والعظمى لأغراض تحقيق الحماية والتطور النسبي المحدود وتلازما مع هذا المنحى كانت النظرة الى العلاقة مع الدول القطرية العربية دونية ولا ترقى الى عشر الاهمية الممنوحة للدول الاجنبية. 
  ان المشاكل الخطيرة التي وقعت بين الدول القطرية العربية كانت في الاعم الاغلب تحصل عندما يتمكن منهج سياسي قومي من مسك دولة قطرية فتبدأ عمليات الالتفاف من الانظمة التي تخشى أكثر ما تخشى على وجودها المجهري من المد القومي الوحدوي فتبدأ بالتآمر لتقويض ذلك النظام وهذ ما حصل فعلا مع معظم الانظمة التي وصلت الى قيادتها أحزاب قومية وحدوية تقدمية. 
ان بحث أي مناضل قومي عن علاقات بينية عربية مصححة الان يبدوا بحثا عن أبرة وقعت في أكداس من القش ليس لان هذه العلاقات قد مرت بمطبات وبمشاكل مريعة وشهدت تقلبات وتشظي قد لا يشبه أية علاقات أخرى فحسب بل ان هذه العلاقات قد ولدت أصلا لتكون سيئة وسطحية ومنافقة وفيها نفس عدواني قابل للتصعيد في أية لحظة ليتحول الى خراب ودمار . فالحدود والسيادة القطرية وتنوع الانظمة من جمهورية الى ملكية الى امارات ودول وغير ذلك من المسميات المعبرة عن مناهج مختلفة الذي جعلها لا ترتبط بأي رابط ويضاف لذلك فروقات التقدم العمراني والاقتصادي والحواجز التربوية والتعليمية واخلاقياتها المتغايرة والمناهج الحزبية والعلاقات الاقليمية والدولية جعلت من الدولة القطرية كيانا سياديا يعلو على عروبتها ويعلو على توق العرب للوحدة كحق طبيعي بسيط جدا في تلقائية وجوده وعفوية وفطرية هذا الوجود. 
  وعليه فان الوحدة العربية لم ولن تحققها علاقات ايجابية بين الانظمة العربية والعلاقات الايجابية غير ممكنة لا أمس ولا اليوم ولا غدا بين هذه الانظمة طالما ان هناك شعب عربي يريد الوحدة وينجب قوى سياسية وأنظمة تعمل على تحقيق الوحدة . ان الصلة البينية فيها تناقضات وصراع وجودي خلقه سايكس بيكو. 
  ان وجود حزب أو قوة سياسية أو تشكيل مدني عربي أو نظام عربي ينهج سياسة تعلن عن نفسها بكونها وحدوية كفيل بأن يحفز كوامن القلق والخوف على السيادة القطرية والكراسي القطرية ويصعد مكونات التآمر والعدوان . ومن البديهي أن تتحد قنوات العداء والتآمر لتوقع الوحدويون أنظمة أو أحزاب في عثرات ومطبات تجعل من المنهج الوحدوي ومن طلابه غلاطين وواهمين وغير واقعيين وربما مجرمين.
  لا يوجد عربي لا يتمنى علاقات طيبة بين الانظمة العربية لكن هكذا أمنية تصطدم حتما بمخاوف دائمة عند الانظمة القطرية وتحتك معها احتكاكات سلبية تنتج عنها سلاسل مختلفة من التفاعلات الرديئة والسلبية . وحتى لو افترضنا جدلا ان الحساسية القطرية وسيادة دولها المصطنعة يمكن ان تختفي خلف نوايا طيبة وقدرات أخلاقية عربية خارقة تضع هذه الحساسيات في الخلف فان العلاقات لن تبقى جيدة لان النظام العربي خلق ليبغض بعضه وطبقا للأسباب التي يركب مراكبها السياسيون . ثم ان أي سير بين أي قطريين عربيين في علاقات ايجابية سيثير ريبة وشكوك القوى الدولية المتحكمة بكثير من قرارات عواصمنا .
   الاماني والتنظير والفلسفة البناءة على سطور المحبة لا تلغي البغضاء والقوة الكامنة في كيان كل نظام عربي التي تتحسب بدقة لخطر الوحدة على السيادة القطرية.
  ان الوحدة العربية تتحقق بالروح التي توحدت بها دول مختلفة في العالم وهدمت عبرها جدران العزل وكسرت أبواب السجون والمعتقلات وألغت تأشيرات الدخول ووحدت العملة . 
 الوحدة العربية تتحقق بإلغاء الادوار التي قام بها أصحابها طوعا ضد عرب اخرين وأقطار أخرى استجابة وتعاونا مع القوى الاجنبية المتربصة بالعرب . والاعتراف بالأخطاء التي أجبر عليها عرب اخرون ضد أشقاءهم .
 الوحدة العربية تتحقق بلقاء أخلاقي وسياسي حقيقي بين الاحزاب القومية والوطنية والاسلامية المختلفة, لقاء يؤمن بالوحدة طريقا للكرامة والسيادة الحقيقية والقوة والمنعة التي تنجب الفعل الحقيقي لطرد الاحتلال من فلسطين والعراق والاحواز وكل ارض عربية سلبت , وفرض احترام الارض والانسان العربي .
 الوحدة العربية تجلت صورتها وضرورتها وحيويتها بعد احتلال العراق القائم الان من قبل ايران وأمريكا وأحداث الربيع واحتلال ليبيا وكوارث سوريا واليمن وتتطلب أول ما تتطلب تحرير العراق وليبيا وايجاد حل لانهار الدماء في اليمن وسوريا وهذا يتطلب الغاء وجود التكفير والاحزاب التكفيرية من حياة العرب تماما كضرورة الغاء أي مظهر من مظاهر الالحاد وتكريس الايمان بالله وبالوطنية. ويتطلب أيضا الغاء الجامعة العربية أو تغيير مقومات وجودها القانونية والاعتبارية لأنها تحتضن الانظمة الاحتلالية والجاسوسية ولأنها تحولت الى قمة ما يمكن للنظام العربي أن يحققه من تقارب ومن صيغ للعلاقات المعبرة عن وحدة الامة , والاتفاق على نظام فيدرالي يحفظ الخصوصيات التي يريد كل قطر الحفاظ عليها. 
   ان العرب الرساليون يعملون طبعا على تقريب المسافات بين الانظمة العربية عموما مع الثبات على أن بعض هذه الانظمة قد اختار اللاعروبة والخيانة والغدر طواعية ولا يوجد من سبيل لإعادة تأهيله من جهة ومن جهة أخرى فانهم يدركون ان أهدافهم ومبادئهم القومية لا يحققها النظام القطري وان عليهم 
الجهاد والنضال سياسيا واقتصاديا وتوعويا واعلاميا لخلق قواعد الانقلاب الثوري العربي في نفوس عموم العرب . الوحدة العربية يحققها الانقلاب الذاتي لكل عربي الذي ينقل العربي الى ذروة التقديس والايمان بحتمية وضرورة وجدلية قيام وحدة الامة ومن ثم البناء على الفرد لخلق الجماهير المنقلبة الرسالية. الوحدة العربية يحققها الشعب العربي وقواه الحية وليس نظام الردة في سوريا ولا غيره من أنظمة العقد القطرية . 

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018