سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

رضوان ياسين - المناضل الدكتور عبد المجيد الطيب الرافعي . حين تتمثل القيم إنساناً


         
ماذا تقول الكلمات في حضرة غيابك، أيها الحاضر الذي ﻻيغادر الوجدان، لنبل مشاعرك، ينحني الحرف، لوجهك الطيب زحفت أحلامنا.
تزهر فيك الرؤى والدروب، وترقص في راحتيك الأماني، نزلت علينا كتاباً جميلاً، كزهرة نادرة تختبئ في سكون أعماقنا، وسافرت فينا ﻷرض البراءة...

راح الذي كفه في الطيب ممدود وله في دروب الخير بصمات، رحل محموﻻً على محبة جيل عاش متعة زمن جميل واعد، سقى الحشد ضريحك المتواضع هاطل الحزن، وهال عليه تراب تموز اللاهب بدفء أكف الرفاق.
تتجلد الأحاسيس وتنطلق الحناجر، يا مالك الحس الرهيف بطهارة القلب النظيف.
فيحاء قد رحل الطبيب من بعده يشفي القلوب؟؟
اﻵن فقط صدقت أن الطيب في طريقه إلى العالم الرحب، إلى السكينة راحة وخلود.
رحل الطيب ... لن يكون هناك مرة أخرى في دارته ينتظر محبيه ليغمرهم بدفئه والحنين، ألتمس دموع الحبيب بيار ليسألني عن الثلاثاء دون الحكيم.
ﻻ يمكن أن يخدر الصبر جرحاً، قالها أبوعمر وانفجر باكياً وبكت معه الجدران.
كنت الإنسان فينا أيها الطيب. كل ما فيك عميق كعمق الأرض ونقي كالغاردينيا التي أحببت.
رحل الطيب، الذي كان يصب جام عواطفه للمدينة التي أحبها وعشقته.
تطوع جموعها الهادرة الحديد الصامت وتحوله إلى لوحة ناطقة.
تفتقدك الحشود ﻷن عالم ليس فيه عبد المجيد الطيب الرافعي عالم شديد الرمادية. وﻷنك تحب الفيحاء خضراء تموج في الضوء والماء. وﻷن رحيلك يولد فيها قلقاً عميقاً جزعاً ﻻ يكبح.
فلسطين كلها والعرب تحمل قلوبها إليك، فأنت المناضل الذي أنشب في ذاكرته أشرس مخالب التاريخ.

---- 2 -----

هل كان ينبغي للطيب أن يغيب لكي نكتشف في ضوء غيابه كم نحن هائمون اﻵن على وجوهنا وأقلامنا وكلماتنا، وكم المساحة الشاغرة التي خلفها وراءه ﻻ يمكن لأحد أن يردمها من بعده؟؟
يتبارون في رثائك كأنك شيء ذاهب، ولم يعرفوا أنك منذ رحلت أتيت قادم ... قادم من الريح ومنزل الجيران وجموع الأحبة ومن أزقة المدينة وأحيائها المولعة بك.
فأنت وحدك من أخرج الجموع من صف المشاهدين.
من الصمت واستمرار الفراغ، وأظهرت حنين الفقراء الطيبين.
ورغم الابتعاد ستبقى في العين الحزينة تزداد قرباً.
تحمل بعضاً من مودة ﻻ تزال على ألق لحظاتها الأولى، وبعض من حلم يكابد تحت أتربة الخراب والهزائم والقهر. لصوتك الذي بتهدجه يمنحهم الأمان.

---- 3 ----

في مغالبتك للمرض وإصرارك على المتابعة حتى الرمق الأخير، تستقبل الجموع كعهدك أيام العنفوان.
تراقب الشقائق والرقائق، وتعتني بالتفاصيل، الشاردة والواردة.
كم كنت أكبر من الكرسي في تحديك؟.
وأقوى من المرض.
ولعله كان خجوﻻً من نفسه، وكنت رافضاً له.
وكأن المرض يريد أن يعتذر ﻹرادتك.
وكم كان مهزوماً لأنه لم يكن في مقدوره أن يضطر إلى التقاعد والقعود مع قامة ترنو للاستمرار حتى الرمق الأخير.
وأما أنت فأبيت أن تتفهم شغل المرضى ونصائح الأطباء، وترد في سرك والعلانية صح مني العزم والجسم أبى، والقلب يرنو إلى العشرين، وكانت ابتسامة روحك تحتقر رغبة المرض الذي يبعدك عن رفاقك، وترسم وردة حب لجموعهم التي بادلتك حباً بحب.
وأشهد بأنك أهملت ما استطعت نصائح الأطباء بالراحة والنقاهة وملازمة الفراش.
وأنت تستغرب من الراحة
ﻷنك تعاند تيار المرض.
وتغلب عادتك المتدفقة بالعطاء والتواصل المتواضع الرؤوم الذي يشبه قسمات وجهك الطيب، تلمس كالعادة مكان القلب .. وتقول الحمد لله ما زال ينبض..!!
وتتذكر تمطر علينا عطر الذكريات والوصايا، تعلمنا أن اﻻنتماء يوجد مرة واحدة في عمر الرجل والمواقف، والشراسة إنما هي لإخفاء قلب هش.
وان الذاتية تسقط المناضلين، ولأننا مندورون للحلم، ﻷنه حقنا وماضينا ومستقبلنا الوحيد .. ﻷن فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تمطر الخصب، وجذور كما البعث تستعصي على القلع والإقصاء ..

--- 4 ----
وكأني بوصاياك ألتمس بضع أماني، لو شاء الله أن يهبني شيئاً من حياة أخرى فإنني سوف استثمرها بكل قواي، ربما أقول كل ما أفكر به لكنني حتما سأفكر في كل ما أقوله. سأمنح الأشياء قيمتها، ﻻ لما تمثله بل لما تعنيه ..
أدرك أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور. وسأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق.
للطفل سوف أعطي الأجنحة لكني سأدعه يتعلم التحليق وحده.
وللكهول سأعلمهم أن الموت ﻻ يأتي من الشيخوخة بل بفعل النسيان.
وأن العيون ترى كل يوم وجوهاً جميلة ولكن القلب ﻻ يفتح أبوابه إﻻ بوجه واحد ..


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018