سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

أنيس الهمامي -تونس...انتفاضة الشعوب الإيرانيّة: هل هي حقا مؤامرة خارجيّة أم حاجة داخليّة ملحّة؟

انتفاضة الشعوب الإيرانيّة: هل هي حقا مؤامرة خارجيّة أم حاجة داخليّة ملحّة؟
وما هي أسباب التحريض عليها ومعاداتها من قبل النّخب العربيّة؟

أهي وليدة الجهل بخارطة إيران القومية ووضعها الجغرافيّ أم هي مخاتلة  لانخراطها في برامج إيران؟


أنيس الهمامي -تونس

نبض العروبة المجاهدة للثقافة والإعلام

( الجزءالأول )

********

1- إطلالة تاريخيّة وجغرافيّة على إيران من الدّاخل:

( من مقدمة " الصراع العربي الفارسي، بتصرف )

توضّح الخارطة القوميّة لإيران – بجلاء – أنّها كيان لا قوميّ، بمعنى أنّها لم تقم تحقيقا للرّوح القوميّة الجمعيّة، فإيران كيان سياسيّ تتعدّد فيه القوميّات وتتباين حتّى تصل إلى نحو خمس أو ستّ قوميّات رئيسيّة، ومن المهمّ أن نلاحظ أنّ أحجام هذه القوميّات متقاربة على نحو لا يجعل منها " أكثريّة " ويجعل القوميّات الأخرى " أقلّيّة "، بل ليس من الممكن إطلاق لفظة " أقلّيّة " على إحداها إلاّ إذا اعتبرنا سائر القوميّات الأخرى كلاّ واحدا، ولا مبرّر علميّ لهذه المقولة، لأنّ من الثّابت تاريخيّا أنّ إيران كانت، قبل تكوّنها، عددا من الدّول والإمارات المستقلّة.

يحقّ لنا أن نتساءل: إذا كان كيان إيران لا قوميّا، فلماذا هو كيان أصلا، ولِمَ اتّخذت حدودها شكلها المعروف الآن؟ وبعبارة أخرى: إذا كان هدف القوميّة هو تحقيق إرادتها المستقلّة المتمثّلة بشكل دولة، ولم تكن في إيران قوميّة رئيسيّة، فما هو مبرّر وجود " دولة إيران "؟ عن أيّ هدف قوميّ تعبّر؟، وأيّ إرادة تمثّل؟
فللإجابة على هذا كلّه، علينا أن نعيد النّظر في الخارطة القوميّة لإيران، ولسوف نجد، عند  دراسة المساحات الجغرافيّة التي توجد فيها كلّ قوميّة من القوميّات المكوّنة لـ " الدّولة "، أنّ لهذه القوميّات جميعا باستثناء الفٌرس، امتدادات واسعة خارج حدود إيران نفسها، فالعرب هم جزء من أمّتهم العربيّة، والأكراد يتوزّعون على منطقة ليس في إيران منها إلاّ جزء فحسب، وللأذربيجانيّين امتداد كبير يشمل مساحات واسعة من تركيا والاتّحاد السّوفييتيّ، أمّا البلوج فهم جزء من شعب يقيم نصفه الآخر في باكستان وأفغانستان. وهكذا فإنّ جميع هذه القوميّات لها امتدادات خارج الرّقعة السّياسيّة لإيران، فوجوهها – من ثمّ – إلى خارج إيران لا إلى داخلها، فهي لا تمثّل الإرادة المتكوّنة للدّولة المركزيّة الإيرانيّة، ومن المؤكّد أنّ هذه " الدّولة " ليست هدفا لأيّ منها، إذ لا مصلحة لهم فيها بأيّة حال.
الفٌرس هم الوحيدون الذين ليست لهم امتدادات قوميّة خارج إيران، فهم إذن عامل " الشّدّ " الوحيد الذي يشدّ هذه القوميّات المتباينة في نطاق دولة واحدة، ولكنّهم من جهة أخرى، كانوا أقلّ عددا، وأدنى حضارة، من أن يستطيعوا ممارسة دورهم في شدّ هذه القوميّات وتجميعها تحت سيطرتهم، لذا فقد كان الفعل السّياسيّ والعسكريّ الفارسيّ على الدّوام أكبر من حجمهم الحقيقيّ، لقد كانوا فعليّا مجرّد قوميّة وسط قوميّات متعدّدة، لكلّ منها تراثها وحضارتها ووطنها، ولكن الفرس مارسوا دورهم بصفتهم القوميّة المركزيّة الوحيدة، أو القوميّة العليا، في جميع " أوطان " تلك القوميّات، إضافة إلى وطنهم نفسه، واتّسم توسّعهم على حساب قوميّات الهضبة الإيرانيّة الأخرى بالسّمة العسكريّة البحتة، لذا فقد جاءت ثماره على شكل احتلال فعليّ وليس نتيجة لمدّ حضاريّ فارسيّ مثلا، أو حركة مركزيّة تستقطب تلك الشّعوب نحو ثقافة واحدة.
إنّ استمرار سياسة شدّ القوميّات في دولة واحدة، كان يعني استمرارا لسيطرة الفرس على هذه القوميّات. بمعنى أنّ عودة القوميّات إلى ممارسة مصائرها المستقلّة كان يساوي تفكّك السّيطرة الفارسيّة وانهيارها، وهو أمر وقف الحكّام الفرس ضدّه على الدّوام.
لقد أدرك الفرس أنّ تحقيق سيطرتهم على عدد كبير من القوميّات يفوقهم بعضها عددا وحضارة، لا يكون إلاّ بإخضاعها إلى ضغط تحدّ خارجيّ، وإثارة شعور التّوجّس لديها من خطر مّا يأتي من الخارج، وعليه فقد وظّف الفرس التّحدّيات المختلفة في المنطقة لصالح تأكيد هيمنتهم على قوميّات ما عرف بإيران. وكان التّحدّي الحقيقيّ أمام الفرس هو ذلك التّحدّي القادم من غرب إيران، أي من الوطن العربيّ، بيد أنّه – على قوّته – لم يكن عسكريّا بقدر ما كان حضاريّا. ولم يكن الفرس على مستوى حضاريّ مكافئ للحضارات المتقدّمة الموجودة إلى الغرب منهم، لذا فقد أخذوا موقعهم كـ " متلقّي " للحضارة، لا صانع لها، فالدّيانة الزّرادشتيّة ورموزها لم تكن فارسيّة، وإنّما ميديّة، وما داخل هذه الدّيانة من تغيّرات كان مصدره ثقافة البحر المتوسّط، بل إنّ الفارسيّة لم تكتب قطّ بأحرف فارسيّة، وإنّما بالمسماريّة العراقيّة، فالآراميّة والعربيّة، وامتدّ تأثير الحضارات العربيّة، منذ قبل الإسلام وبعده، إلى معظم مناحي الحياة الاجتماعيّة الفارسيّة، وتركت آثارها واضحة في مجالات الفنون والعمارة فضلا عن الإدارة والقوانين، حتّى عدّ الباحثون، ومنهم أكثرهم تعصّبا للفرس، دولهم القديمة بأنّها مجرّد استمرار للدّول الرّافدينيّة.      
وكان إحساس الفرس بتخلّفهم تجاه الفعل الحضاريّ الآتي من الغرب ( أي الوطن العربيّ ) يتّخذ وضعا حادّا، انعكس على شكل ردّ فعل غير حضاريّ نحوه، استهدف تدمير الحضارة فيه، أو مكافأة تأثيره على الأقلّ، ولكن بالفعل العسكريّ وحده، وبذا فقد أصبح التّوسّع إلى الخارج، وبخاصّة باتّجاه الوطن العربيّ، الوجه الآخر لسياسة فرض الهيمنة السّياسيّة والعسكريّة على شعوب الهضبة الإيرانيّة في الدّاخل، محاولين إقناع تلك الشّعوب بأنّ أيّ توقّف عن الطّرد، أي الاندفاع إلى الخارج، يعني – بالضّرورة – توقّع انجذاب شعب جديد إلى الدّاخل. وبما أنّ البلاد لم تكن تملك مركز استقطاب وصهر قوميّ – كما ألمعنا – فقد كان انجذاب أقوام كهذه إلى الدّاخل، يعني تجزّؤ الهضبة سياسيّا بين تلك الأقوام وفقدانها – من ثمّ – وحدتها السّياسيّة المفروضة. وكان التّوسّع الخارجيّ بحدّ ذاته يقدّم مبرّرا قويّا لسياسة التّوسّع الدّاخليّ بضمّ القوميّات غير الفارسيّة في إيران تحت قبضة حكوميّة مركزيّة قويّة. وهكذا تحوّلت " الفارسيّة " من كونها إحدى قوميّات " إيران " إلى عقيدة توسّعيّة، تعبّر عن جيوبولتيكيّة لا تحقّق أغراضها إلاّ بالتّوسّع المستمرّ، أكثر من تعبيرها عن إرادة أمّة أو قوميّة بذاتها، وهذا ما يفسّر ظهور سلالات حاكمة في إيران من غير الفرس، التزمت بسياسة الفرس نفسها.
لقد تحوّل مركّب النّقص الحضاريّ هذا على مرّ العصور إلى عقيدة راسخة معادية لكلّ الحضارات العربيّة أو التي وجدت في الأرض العربيّة، بل إنّه تحوّل في اللاّوعي الفارسيّ، إلى نزعة عدوانيّة مدمّرة لكلّ فكرة، أو قيمة، تأتي من هذا الاتّجاه. ووظّف الحكّام الفرس  هذه العقدة النّفسيّة في صالح هيمنتهم على القوميّات المحيطة بهم، بأن أشعروها – على الدّوام – بأنّ تصدّيهم لهذه المؤثّرات رهين باستمرار الهيمنة المركزيّة الفارسيّة عليها.
إنّ خارطة إيران السّياسيّة تمثّل بوضوح قوسا ضاغطا باتّجاه الغرب، يتولّى الفرس فيه موقع الشّدّ المركزيّ، ويمتدّ هذا القوس من بحيرة أورمية شمالا حتّى بلوجستان على البحر العربيّ جنوبا، وليس هو إلاّ المظهر الأخير من عمليّة دائبة مقصودة استهدفت اقتطاع أجزاء من أرض الأمّة العربيّة، وضمّها إلى مقاطعاتها الغربيّة، تعبيرا عن استمرار الحكّام الفرس في توظيف عدائهم للأمّة العربيّة لصالح إبقاء تسلّطهم على القوميّات الأخرى.
ولمّا لم يكن هذا الغرب ( الوطن العربيّ ) يمثّل إلاّ مصدر إشعاع للحضارة، لا خطرا ماديّا حقيقيّا، فإنّ العقليّة الفارسيّة تعوّدت أن تنظر إلى هذه الحضارة بعين واحدة، إنّها تتأثّر بها لأنّها مضطرّة إلى ذلك لنقص في مستواها الحضاريّ، وتعاديها في الوقت نفسه لأنّها تمثّل خطرا يهدّد سيطرتها على القوميّات العديدة التي تحيط بها،فلقد اعتنق الفرس الإسلام كسائر شعوب المشرق، لكنّهم حاربوه من داخله، وتعلّموا الآداب العربيّة، لكنّهم حاربوها بما تعلّموه منها، وكتبوا بالحروف العربيّة، لكنّهم شنّوا حربا على اللّغة العربيّة نفسها.    
ومع أنّ العرب لم يكونوا قطّ عدوانيّين تجاه الفرس أو غيرهم، وإنّما هداة، ورسل دين مساواة جديد، فإنّ هذه الحقيقة لم تكن تنفذ إلى اللاّوعي الفارسيّ حيث تكمن عقدة الخوف والكره من كلّ ما هو عربيّ. فمن الثّابت تاريخيّا أنّ دهاقنة الفرس تملّقوا العرب، بعد زوال سلطانهم السّياسيّ، توسّلا إلى الإبقاء على مركزهم الاجتماعيّ والاقتصاديّ بين الشّعوب غير الفارسيّة، حتّى إذا ما ضعف كيان العرب السّياسيّ – وكان للفرس نصيبهم البارز في هذا الضّعف – عادوا إلى ممارسة دورهم السّابق في إحياء التّقاليد السّياسيّة القديمة بإنشاء الدّولة التي توظّف فيها عقدة الكره والخوف لصالح هيمنة الفرس عليها.
إنّ التّاريخ لم يسجّل أيّة أعمال عدائيّة قام بها العرب ضدّ إيران، بل العكس دائما، وعلى الرّغم من ذلك فإنّ الرفس كانوا يصوّرون أيّ عدوان يقومون به على الأمّة العربيّة، بأنّه " دفاع عن النّفس " حتّى أصبح هذا قانونا ثابتا في السّياسة الخارجيّة الفارسيّة في مختلف مراحل التّاريخ. ومعنى هذا أنّهم، إن لم يجدوا خطرا حقيقيّا يهدّد بلادهم من الغرب، فإنّ عليهم أن يوحوا إلى شعوبهم بمثل هذا الخطر، وهو ما يفسّر – بوضوح – لِمَ كانت إيران أكثر أطماعها بجيرانها الغربيّين كلّما تعرّضت وحدتها السّياسيّة إلى خطر التّجزئة في الدّاخل، وطالبت شعوبها بحقوقها القوميّة التي بخسها الفرس عبر التّاريخ. وهكذا فإنّ إحياء مظاهر ومفاهيم متخلّفة، وإسقاطها على الحاضر، وخلق جوّ من اللاّعقلانيّة، وتأجيج النّعرات البدائيّة، والعصبيّات القائمة على أسس بالية لا ظلّ لها في الواقع، كان قد أصبح إحدى الوسائل الثّابتة في لمّ شعث قوميّات عديدة، لكلّ منها ثقافتها وتراثها المستقلّ. ولمّا لم يكن كالنّزاعات العدائيّة أكثر بدائيّة وتخلّفا، فقد أضحت إثارة هذه النّزعات، وإقناعها بين الحين والآخر، بمزيد من الأعمال العدوانيّة التّوسّعيّة يمثّل علاجا مناسبا لأيّة حالة تفكّك تتعرّض لها " الوحدة الدّاخليّة "، كما أنّه يعدّ مبرّرا معقولا للاحتفاظ بجيوش ضخمة، تزيد على حاجة البلاد نفسها، فبقدر ما كان وجود جيوش كهذه يعدّ " أداة " للتّوسّع خارج البلاد، فإنّ وجود مثل هذه الجيوش كان "هدفا " بحدّ ذاته، إذ ليس كالجيش أداة لدمج الأمم المختلفة العروق والثّقافات. ومن المهمّ القول إنّ دمج القوميّات على هذا النّحو، لم يكن يعني – بالضّرورة – تفريسها اللّغويّ المباشر، وإنّما إقناعها بالولاء للمؤسّسات المركزيّة للدّولة، تلك المؤسّسات التي كانت تعمل وفق المفاهيم الجيوبوليتيكيّة التي أوجدها الفرس أنفسهم، وهو ما يفسّر بوضوح سبب احتفاظ الدّولة المركزيّة بجيوش ضخمة تضمّ عناصر عديدة في مراحل تاريخيّة مختلفة. ومع أنّ سلالات غير فارسيّة حكمت إيران في بعض العهود، إلاّ أنّ سياستها لم تكن لتختلف عن السّياسة الفارسيّة التّقليديّة التي ذكرنا، فالأفشاريّون والزّنديّون والقاجاريّون مثلا، وهم ليسوا فرسا، لم يكونوا ليصبحوا " شاهات " لإيران لو لم يلتزموا " بالعقدة الفارسيّة " فيحذون حذو أسلافهم في معاداة الأمّة العربيّة وسلب أراضيها ومياهها، سواء أكان ذلك في العراق، أم في الأحواز، وسواحل الخليج العربيّ.

( يتبع )

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018