سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

صلاح المختار - لمحات من ثورة رمضان عام 1963

                                                          

     
نبض العروبة المجاهدة للثقافة والاعلام


اشعر بالفخر والاعتزاز بانني احد الرفاق الذين شاركوا في ثورة الثامن من شباط عام 1963 ، مع الاف الرفاق المدنيين والعسكريين الذين شاركوا فيها ، فقد كنا في حالة عمل نشط وبلا توقف لمدة تقرب من الثلاثة اشهر من تاريخ انطلاق اضراب الطلاب في مدارس وجامعات العراق في نهاية عام 1962 والذي استمر حتى يوم اسقاط الديكتاتورية القاسمية الشعوبية في 8-2-1963 ، وكنا نديم الاضراب في ثانوية الكرخ ونناور ونتعارك مع افراد الامن الذين كانوا يطارودننا في ازقة الكرخ قرب المدرسة

التي نتحصن فيها ومنها نعود الى المدرسة لادامة الاضراب . وفي احد الايام اخبرني رفيق بان الامن كسروا السلسلة الحديدية التي تغلق باب المدرسة والتي وضعناها لمنع فتحها ، وقيل لي بان افراد الامن يقفون امام الباب ويطلبون من الطلاب الدخول ، فتقدمنا حوالي 12 طالبا نحو المدرسة وقلنا لافراد الامن لانريد مشاكل معكم ولكننا سنعيد اغلاق الباب فلا تحاولوا ايقافنا ، وكان واضحا لهم اننا كنا جاهزين للعراك معهم فتراجعوا ووضعنا السلسلة الجديدة .

وصدرت اوامر بالقاء القبض علينا وكنت احدهم ومع ذلك كنا نواصل الاضراب بقوة في النهار وننام في بيوت اخرى غير بيوتنا ليلا ، وفي صباح يوم وبينما نحن نحرض على مواصلة الاضراب اخبرني احد الرفاق بان مسؤولي الحزبي يطلبني في مقهى قريب فتركت التجمع واتجهت للمقهى مختارا زقاقا ضيقا وكنت وحدي واذا بي اواجه امامي مفوض الامن عدنان ومعه اخر وتلاقت وجوهنا فلم اتوقف بل واصلت السير الى ان اصبحت امامهما فارتبك المفوض وهو يرى انني مستعد للقتال ، فقال لي وهو مرتبك : صلاح تعال اريد ان اتحدث معك . قلت له تفضل ، فقال : احسن لك ان تسلم نفسك والا سناتي الى بيتك هذه الليلة لاعتقالك . وغمز بعينه لي متجنبا ملاحظة شرطي الامن الذي معه ما فعل ثم اكمال قائلا تعال اريد ان احذرك ، فاخذنني جانبا وهمس في اذني لا تذهب هذه الليلة الى بيتك لاننا سناتي لاعتقالك ودس في يدي ورقة صغيرة .

شكرته وواصلت السير وفتحت الورقة واذا بها اسماء اكثر من عشرة رفاق صدر امر القبض عليهم فسلمتها لمسؤولي الذي طلب منهم عدم الذهاب الى بيوتهم . هكذا كان الجهاز الامني للديكتاتورية ضعيفا امام رفاق صمموا على المواجهة مهما كان الثمن .

وقبل يوم من الثورة ابلغني مسوؤلي الحزبي المرحوم الرفيق خليل العاني ابو رفعت بان علي الحضور الى داره في الخامسة فجرا ، فسألته : لماذا في الخامسة فجرا ؟ فرد لاجل مناقشة كيفية ادامة الاضراب .وكان يبتسم بطريقة موحية ولم اسأله اكثر وفي الخامسة وجدت رفاقي من تنظيمات سوق حمادة في الكرخ محشورين في غرفة صغيرة وكل منهم يتقافز على وجهه سؤال صامت : لم نحن الان في اجتماع في هذه الساعة المبكرة ؟ وانخرطنا في نقاش جاد حول اساليب ادامة الاضراب ومرت ساعات واذا بصوت انفجار يدوي وبعده سمعت مسؤولي الحزبي ابو رفعت يصرخ وهو يستمع للراديو : انها ثورة البعث اخرجوا رفاق وجمعوا الناس واتجهوا لساحة الشهداء . واعطى كل منا قطعة قماش ، خضراء على ما اتذكر ، وطلب وضعها على الذراع وهي تميز الحرس القومي وهي منظمة شعبية من البعثيين المدربين على القتال .

لم نصدق ما قاله رغم دوي الانفجار اضافة الى اننا كنا نتوقع التغيير الثوري منذ بدأ الاضراب ولكننا وجدنا انفسنا عبارة عن بركان بارود تفجر بغتة وانطلقنا الى ساحة الشهداء وكانت الجماهير تزداد التحاقا بنا من كل زقاق نمر فيه ونحن نهتف بسقوط الديكتاتورية وفي ساحة الشهداء سلمت رشاشة غريبة الشكل من مخلفات الحرب العالمية الثانية بلا مخزن عتاد ! وقال لي : احملها وقف هنا واجبك انت ورفاقك منع عبور اي جهة عسكرية او مدنية جسر الشهداء نحو وزارة الدافاع الا بعد ان يقول كلمة السر وقال كلمة السر هي (رمضان مبارك ).

وكان القصف الجوي قد اشتد حيث ان رفاقنا العسكريين وفي مقدمتهم المرحوم الرفيق منذر الونداوي والمرحوم الطيار فهد السعدون يدكون وزارة الدفاع بالصواريخ ، وبعد قليل بدأت الدبابات تصل وضباطنا فوق ابراجها وكنا نطلب منهم كلمة السر فيقولونها ويتجهون نحو وكر الديكتاتور. وبينما كنا نحرس مدخل الجسر اتت سيارة فيات صغيرة ووقفت امامي واطل راس الشهيد خالد ناصر اول من نظمني في الحزب وقال لي : صلاح تعال معنا ، ونظرت في السيارة فوجدت معه رفيقين وقال : نحن ذاهبون لمنطقة الفضل لان هناك شيوعيين يقاومون الثورة ، فقلت له : مسؤولي طلب مني عدم مغادرة مكاني هذا .ضحك وقال طيب نلتقي فيما بعد .

وعندما اكمل الجيش انتشاره صدرت الاوامر للحرس القومي بجعل مركز شرطة سوق الجديد مقرا لنا وانتشرنا في الشارع العام مسيطرين عليه . ولم ننم ليلتها وكان دوي المدافع مستمرا ليلا من الدبابات ، والسماء تشتعل بنيران المدافع والرصاص وبيننا وبين وزارة الدفاع نهر دجلة فقط وكان الرمي منها يصل الينا فترد عليه الدبابات . وفي صبيحة يوم 9-2 كانت المعركة مازالت مستمرة مع وزارة الدفاع التي تحصن بها قاسم والدبابات تقصف من الارض والطائرات ترمي حممها من الجو وكان جيش الثورة يطوق الوزارة باحكام تام وكنت اصارع لمنع عيني من الانغلاق وانا اجلس فوق رصيف الشارع ورشاشتي بيدي والتي غيرت واستلمت اخرى بها مخزن عتاد ، جاءني احد الرفاق وقال لي وهو متعب ويتسلق الحزن وجهه : لقد استشهد الرفيق خالد ناصر ومن معه وقتلهم الحزب الشيوعي .

لم تصدر عني اي اشارة ظاهريا ولكنني شعرت بان كل شيء تهدم في داخلي لدرجة عجزت عن التفكير خصوصا وانا لم انم طوال اكثر من يوم ، نهضت ودخلت مركز الشرطة واتجهت فورا لغرفة جانبية رأيت فيها سريرا يعود لافراد الشرطة فتمددت عليه واستغرقت في نوم متقطع تخللته كوابيس واشباح بوجوه مخيفة ولم استيقط الا بعد ان هزني احد الرفاق وقال انهض لدينا واجب ، عندها نهضت وانا لا استطيع البكاء حزنا على اعز رفيق لي وله الفضل في كسبي للحزب وكنت مختنقا ولا استطيع الحديث فواصلت الصمت طوال اليوم ولم تتفجر دموعي الا بعد ان رأيت فيلم اعدام قاسم فتدحرجت الدموع كغيث جارف وسط نظرات رفاقي المستغربة لانهم لا يعرفون نوعية صلتي بالشهيد خالد ناصر كما انني ابكي بعد مرور عدة ساعات على انتشار خبر استشهاده .

ذهبنا الى مركز شرطة الشيخ علي الذي رأينا فيه ضباط وافراد امن معتقلين وفجاة سمعت صوتا من داخل الغرفة يصرخ : صلاح انا هنا انا المفوض عدنان ! نظرت فوجدت المفوض الذي سلمني قائمة باسماء رفاقي الذين صدرت اوامر القاء قبض عليهم ، فطلبت من رفاقي في مركز الشرطة اطلاق سراحه وقلت انه منا واخرجته ، نبهني المفوض عدنان : ولكن الاخرين ايضا منا صلاح ! فطلبت اطلاق سراح الاخرين وتم ذلك .

هذه لمحات من نضال البعث تقدم صورة عن كيفية انتقال العمل الثوري من الاعتماد على العسكر فقط في تغيير الانظمة وهي عملية محفوفة بمخاطر نشوء ديكتاتورية عسكرية الى اشتراك المدنيين المدربين على القتال والمنخرطين في منظمة الحرس القومي في التغيير الثوري وثورة الثامن شباط كانت مدرسة اولى في تعليم كيفية دمج المدنيين والعسكريين في عمليات اسقاط النظام وهي المدرسة التي خرجت رفاقنا الذين اسقطوا فيما بعد ديكتاتورية عارف .
المجد والخلود لشهداء ثورة رمضان .


Almukhtar44@gmail.com
7-2-2018

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018