سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

جريمة اجتثاث البعث والقوى العربية الوطنية وقصور الإعلام عن توضيحها.. " الجزء الأول



شكل غزو العراق عام 2003 وتدميره وتخريبه خطيئة الامبريالية الكبرى لجملة من العوامل تتميز بالتداخل والتشابك حد التناقض أحيانا كثيرة حيث استند ذلك الفعل الإرهابي على حجج باطلة ومكذوبة اعتمد القائمون عليها من أمريكان خصوصا وحلفائهم الموزعين بين أوروبيين وبعض الأنظمة الرسمية العربية
والصهاينة والفرس الإيرانيين وكثير من الدول المتزلفة للأمريكان بعد شراء ذممها أو في إطار سعيها لضمان مكان لها تحت ضوء الشمس الأمريكي المغشوشة الخداعة.
لقد عمد الأمريكان ومن معهم لضخ سيل جارف من الأكاذيب بلغت في أغلب الأحيان مبالغ خيالية من الصلف والتحايل والمكر وذلك لتهيئة الرأي العام الدولي لتقبل فاجعة احتلال العراق وسعيا لإقناعه بصحة المزاعم الأمريكية وبالتالي تزكية مسعاها الخبيث، وتتحدث ظروف وملابسات الحملة الإعلامية الأمريكية الصهيونية الواسعة والهوجاء التي سبقت احتلال العراق ورافقته وتلته بوضوح شديد عن مدى استخفاف الأمريكان واستهتارهم بحقوق الشعوب وحياة الجماهير واستقلال الدول.
استفادت الإدارة الأمريكية المجرمة من سيطرتها شبه المطلقة على وسائل الدعاية بأنواعها المختلفة، وطوّعتها جميعا لشيطنة العراق لا نظاما وحزبا قائدا فقط، بل وشيطنته دولة وكيانا سياسيا حيث أبرزته في رداء التهديد الأخطر على الأمن العالمي وصنفته في دائرة ما يسمى بمحور الشر، وأخضعت هذا التصنيف لسياسة الكيل بمكيالين حيث لم تخص الإدارة الأمريكية المجرمة بقية أضلاع هذا المحور كإيران وكوريا الشمالية بما خصت به العراق، بل عقدت تحالفات متجددة مع إيران لتنكشف بذلك أسباب اختلاق مثل هذا المحور والتحريض عليه، وليس من مجانبة الصواب في شيء القول إنه كان مجرد تبرير إضافي لخطيئة احتلال العراق وتدميره، وأن تضمّن القائمة لدول غير العراق إنما كان الهدف منه التعمية والتعويم لتقليل الضغوط على إدارة الشر الحقيقية أمريكا ومزيد تضليل للرأي العام الأمريكي والعالمي.
هذا، وشكلت السيطرة الأمريكية الصهيونية على حجم الذبذبات الإعلامية في العالم ورقة حيوية خدمت تسويق المشروع الامبريالي البشع وتلاعبت من خلالها القوى الباغية بعقول الإنسانية، كما حالت دون تمكن الأصوات الخيرة المناهضة لهذا الجرم الفظيع من التعبير عن رؤاها ومنعت فوق ذلك العراق والعراقيين والعرب من تفنيد أسس المزاعم الأمريكية وكشف كذبها رغم المجهودات الجبارة التي بذلها النظام الوطني في العراق والمثقفون والكتاب الوطنيون المخلصون لأمتهم في الوطن العربي الكبير.

جاء إذن غزو العراق وتدميره، وأفاق العالم على صدمة مريعة مدوية خلفتها الممارسات الوحشية العنصرية والإرهابية لجيوش الغزاة وتوضحت معالم المؤامرة وما بعدها وسقطت نهائيا الدعاوى المغرضة التي انطلق منها دهاقنة الاحتلال ومنظرو تدمير العراق، وانكشفت سخافات بوش الصغير وإدارته المجرمة وادعاءاتهما بأن استهداف العراق لا يدعو لكل ذلك الزخم من المعارضة والرفض والمقاومة لأنه لا يزيد عن كونه تحريرا للعراق ونشرا للديمقراطية فيه ونقله من العهد الديكتاتوري لعوالم سرمدية من الحرية واحترام حقوق الإنسان.

صحيح أن العراق وشعبه ونظامه الوطني بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وجيشه الباسل وتاريخه ومخزونه الحضاري المتقدم أشواطا وأشواطا عما سواه وإرثه الفكري العميق تعرض لأكبر مؤامرة في تاريخ البشرية كلها، وصحيح أيضا أن جرائم الغزاة فاقت حدود التصور ومقدرة العقل البشري على التخيل، وصحيح كذلك أن الممارسات السادية والسياسات العنصرية المتخلفة التي نضحت بها فضائح سجن أبو غريب ومعتقل بوكا وغيرهما والإعدامات العشوائية والقتل على الهوية وفتح الآلات التدميرية التخريبية الموغلة في الانحطاط والوحشية واستقدام أرذل الرهوط البشرية لممارسة أقذر الأدوار من شركات أمنية على غرار بلاك ووتر سيئة الصيت والسمعة وانتداب مجاميع من المرتزقة والمجنسين من شتى أصقاع الدنيا تشي بتخطيط مسبق قديم أكثر مما يتخيله الباحثون، وعمل هذا المخطط أساسا على إنهاء الدور الحضاري والتحرري القومي الإنساني للعراق لتحقيق حزمة من الأهداف الاستراتيجية والجيو - استراتيجية بعيدة المدى وأهمها على الإطلاق ثلاثية الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني الغاصب وضمان سيطرة الأمريكان على منبع الطاقة في العالم وتكريس معالم النظام العالمي الجديد ذي القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وهي المعالم التي تشترط وجوبا إعادة رسم خارطة الوطن العربي ومزيد تفتيته وتشتيه وتشظيته وتشريد الأمة العربية والتنكيل بجماهيرها وترويعها وحملها وجوبا على التسليم بحقيقة مصطنعة مفبركة مكذوبة تقر بضرورة تبعيتهم وركوعهم للغطرسة الامبريالية الأمريكية..

وصحيح وثابت كذلك أن العراق تعرض لمظالم وانتهاكات سافرة لكل القوانين والمواثيق والأعراف الدولية وقبلها لمختلف القيم الإنسانية وضوابط التعايش فوق كوكب الأرض، وصحيح أن الأمريكان استخدموا في حربهم على العراق شعبا ونظاما وجيشا وحزبا قائدا وتاريخا وحضارات أشد الأسلحة فتكا وتدميرا فجرب الأمريكان في بلاد الرافدين أحدث مبتكرات مصانع الموت والتقتيل لحد أنهم استنجدوا بمخزن سلاحهم الاستراتيجي المخصص حصرا للغريم التقليدي الاتحاد السوفييتي زمن الحرب الباردة، وصحيح أن الأمريكان وأعوانهم وبيادقهم حولوا ساحات العراق لجحيم مفتوح لا يسلم فيه بشر ولا شجر ولا حجر من حيث كمية السلاح وحجم النار المفتوحة عليه من جهة واستعانتهم بالأسلحة المحرمة دوليا وخاصة القنابل النووية ذات الإشعاع المحدود شديدة الضراوة والفاعلية التدميرية.. وصحيح وثابت أيضا أنه من الطبيعي أن تكون نتيجة تلك الهجمة الأمريكية البربرية الموغلة في الرغبة العبثية في إهانة الإنسان العراقي والعربي عموما نتيجة لا تتوقف عند آثار العذابات والجراح والآلام ولا حتى عند ما يتعارف عليه من فظاعات حروب الإبادة العرقية ذات النزعة الاستئصالية الحاقدة.
إلا أن الفارق فيما تعرض له العراق بكل مأساويته ودمويته وقتامته، أن أضحى مجرد تقتيل البشر وإذابة الحجر أمرا قد يستسيغه المرء أو قد يتناوله ببعض البرود ولو فرضا.. فلقد أفاق العالم كله على جريمة أشد خسة وبؤسا ومخطط أكثر لؤما ودهاء عبر عن حقيقة المستوى الوضيع الذي يطبع هؤلاء الوافدين المتكالبين على بلاد ما بين النهرين والعائثين فيها فسادا، وسقطت بالتالي تلك الشعارات الرنانة المخادعة التي لطالما تشدق بها هذا الغرب الاستعماري والامبريالية المتوحشة ذات الأطماع التي لا نهاية لها، وظهرت الحقيقة القذرة ومعالم وقسمات وجهها القبيح المذموم، وانتفت في تلك الأثناء فرية حقوق الإنسان وحماية المعالم الحضارية ونسفت ادعاءات التآخي والمساواة وفقدت الدعوات الفجة لإرساء مجتمع معولم يقوم على العدل والاحترام وكل شعارات الثورات الغربية التي صدع بها الغرب رؤوس الأشهاد كل مسوغاتها.
شكل إذن الاجتثاث باعتباره الجريمة غير المسبوقة والخطيئة المبتكرة التي خص بها حزب البعث العربي الاشتراكي، عصارة ما تفتقت عنه قريحة الشر والبغي الامبريالية الأمريكية وحلفائها والمنصاعين لإملاءاتها.
فما هو الاجتثاث؟ وما هي معالمه ومقاصده وغاياته؟
ولماذا ظل الإعلام العربي قاصرا عن توضيحها وتعريتها؟؟

- يتبع –

أنيس الهمامي
لجنة نبض العروبة المجاهدة للثقافة والإعلام
تونس في 19-10-2016

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018