سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

صلاح المختار: ثوابت البعث


                                                                                     

لم ينشأ حزب البعث العربي الاشتراكي ليكون اضافة رقمية طارئة لعدد الاحزاب والتنظيمات السياسية بل كان حركة تاريخية جذرية مثل حركات اخرى قديمة وحديثة غيرت التاريخ العالمي وانشأت حالة جديدة دائمة طبعت  الوجود بمؤثراتها الدائمة او الطويلة زمنيا ،كالاديان وحركات الاصلاح الاجتماعية ومنها الشيوعية ، وهنا يكمن معنى الحزب الرسالي وما يميزه عن الاحزاب المرحلية  او احزاب الفرد الواحد التي تحمل هدفا منظورا محددا بمرحلة او كثر تزول بعد انجازه او الفشل في ذلك . والسمة التاريخة تفرض على حملة الرسالة  نهجا واضحا يستند على منظومة فكرية وقيمية وتنظيمية متبلورة ( العقيدة ) تشتق منها ستراتيجية قومية عظمى اي تلك التي تتحكم بالستراتيجية القطرية او الستراتيجات القومية المرحلية من اجل نشر الرسالة  ، بينما الاحزاب المرحلية لا تحتاج لتلك المنظومة العقائدية ولا لستراتيجية عظمى حتى وان اعتمدت ستراتيجية مرحلية ، ونشاطها عمل عفوي او شبه عفوي لتحقيق هدف محدود معتمدة على مناهج فردية مختلفة غالبا ما تكون تجريبية او انتقائية  او حتى مزاجية  .

ولو قرأنا التاريخ بتأن للاحظنا ان من حمل رسالات للانسانية تركت بصماتها وسط ملايين الناس كان مسلحا بالعقيدة  الواضحة  وبالمنهج التطبيقي المنبثق عنها ، اي طريقة التعامل مع الواقع وخطة السيطرة عليه ورفض ترك الواقع الفاسد بكافة مؤثراته السلبية يحدد مساراتنا وخيارتنا ، فكيف يمكن ان تقنع الملايين بعقيدة اذا لم تكن تملكها او تعرفها بوضوح يكفي لاقناع الملايين بها ؟ وعن ماذا تدافع وتقنع اذا لم تكن لديك منظومة فكرية متكاملة ومتماسكة وكل ما لديك افكارا متغيرة كالزئبق ؟ والعقيدة تتميز بالثبات في مكوناتها الاساسية ورفض التقلبات الانية لان الصراع مع الواقع الفاسد والاصرار على تغييره بدون عقيدة واضحة وبلا ستراتيجية قومية واضحة ايضا هو الطريق الاقصر الى الفشل لاي مشروع  ثوري ، وهذا ما حصل لما سمي ب(الربيع العربي ) والذي تحول الى اهم ربيع لبني صهيون  نتيجة غياب العقيدة والستراتيجية رغما عن النوايا الطيبة لمن انتفض اثناءه.

الديمومة العقائدية ، وليس الانتقائية العقائدية ، هي ابرزسمات الحزب التاريخي ولذلك نلاحظ ان الاحزاب التي تفتقر للعقيدة تزول بزوال مؤسسها بل ان بعض الحركات التاريخية تفقد زخمها ما ان يغيب محركها وهو غالبا شخص يملك كاريزما قوية تجذب الناس حوله لفترة او لمرحلة دون ان يقترن ذلك بعقيدة واضحة فيصبح موته بداية لزوال تلك الحركة وحاضرنا العربي يقدم لنا امثلة عديدة على ما نقول فلو قارنا البعث بغيره من القوى التي عاصرته لرأينا ان اغلبها قد زال ومن بقي منها اشباح تائهة مثل بعض الناصريين الذين وقعوا في فخاخ اسرائيل الشرقية واصبحوا ادوات بيدها مع انها تغزو الوطن العربي وتشهر عداءها لهويته القومية وتاريخه وتحتل ارضه ، وهذا مثال واضح لمخاطر العفوية وغياب العقيدة او الستراتيجية القومية العظمى.

الايمان بعقيدة متبلورة والثبات على هذا الايمان هو من ابرز مميزات الحركات التاريخية في الماضي والحاضر والمستقبل ولم يحصل تغيير دائم حفر تأثيراته في الارض مثلما نقشها في ذاكرة الملايين بدون العمل وفقا لعقيدة واضحة ، وكلما كان الايمان اقوى بالعقيدة كلما طال عمرها وحققت ما خططت له من اثار مادية معنوية ، وعندما  يغيب الايمان بعقيدة ما يفضي ذلك الى غياب اخر وهو انعدام الستراتيجية والاخيرة هي خطة العمل التطبيقي لاي بشر يعتزمون بناء كيان ما او الحصول على نتيجة كبيرة ، بل حتى  بعض الحيوانات مثل الاسود تضع ستراتيجية للصيد ولا تخرج للصيد مثل النمور بلا خطة وتعتمد على الصدفة ، لهذا فالعفوية واعتماد الصدفة في الفعل الانساني ليس اكثر من ردة عن ترقي الحيوان وصيرورته انسانا.

ونتيجة لصواب ما تقدم لاحظنا ان الايديولوجيا البورجوازية والعمل المخابراتي الامريكي والصهيوني الخادمين لها تركزا وبصورة مباشرة على الترويج لاحزاب بلا هوية واضحة ايديولوجيا والاقتصار على هوية سياسية مرحلية والتشكيك بضرورة وجود عقيدة وستراتيجية قومية واستخدام التقدم العلمي والتكنولوجي لاضعاف ثوابت اي عقيدة تاريخية ورسالية وتجميل الممارسات البراغماتية والتجريبية والعفوية لانها الوسيلة الاساسية لتفكيك تماسك العقيدة والغاء دورها تمهيدا لانهاء الاحزاب التاريخية والرسالية .

اما الايمان الديني فهو احد اهم مصادر الاستقرار الانساني فما دام الانسان يبحث غريزيا عن خالقه وعن اسرار الكون رغما عنه ، ومادام التقدم الانساني محكوما بوجود هدف او اهداف فان التفرغ لحل مشاكل الحياة يوجب الايمان الديني اي الايمان بالله اولا . ومن اهم دروس التاريخ حقيقة ان الافتقار لعقيدة دينية يبقى مصدرا للاضطراب الميتافيزيقي اي الحيرة امام اسئلة الكون والخلق مما يجعل الانسان مفتقرا للثبات في عصر عاصف ليس هناك سلاح اكثر فاعلية لمواجهة عصفه من الثبات ومصدره الاساس الايمان ، ناهيك عن امتلاك الاسلام منظومة قيم عليا توفر محتوى وجوهرا للعقيدة القومية في عالم فاسد ومفسد لابد من مواجهته بوعي عقائدي تحكمه قيم اخلاقية وانسانية متبلورة  . وهذه الحقيقة هي التي جعلت البعث اثناء حكمه للعراق يعتمد الاسلام بصفته المصدر الاساس للتشريع  جنبا الى جنب مع الاعتراف الرسمي بحرية وحق كافة الطوائف الدينية بممارسة معتقداتها.  

ولم يكن الربط بين العروبة والاسلام من قبل الرفيق القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق طارئا ، فقد قال عند الاعداد لتأسيس البعث ( العروبة جسد روحه الاسلام ) واضاف بعد ذلك مقولة اعجازية لخصت هوية الاسلام القومية – اضافة لجوهره الروحي - وهوية البعث المحمدية ( كان محمدا كل العرب فليكن اليوم كل العرب محمدا ) . هذا الاكتشاف للرابطة العضوية بين العروبة والاسلام لم يكن صدفة وانما كان ثمرة وعي قومي عربي عميق ومتجذر عمره الاف السنين وليس مئات السنين . وخبرة الانسانية المتراكمة اثبتت ان التحول الجذري كي يحدث لابد ان يقترن بقيم روحية لا ان يقتصر على قيم مادية وانجازات حضرية مذهلة ، وتأكيدا لما تقدم نشير الى حالة الغرب المتقدم ومعه الشرق المتقدم فرغم كل ما تحقق من انجازات علمية وتكنولوجية ورغم امتلاكه مناهج بحث راقية وفعالة نراه عالما يفتقر للقيم العليا وتسوده شريعة الغاب مهما غلفت بشكليات حقوق الانسان والقانون  وهو ما يجعل الانسان الغربي فرديا ونزقا وعفويا في حياته الشخصية وفي تجسيدات عمله السياسي .

ما يشكو منه العالم المتقدم منذ زمن طويل واصبحت شكواه في القرن الجديد مريرة هو غياب القيم وهيمنة الانانية والفردية المفرطة مما جعل التقدم المذهل يستخدم كاخطر وسيلة لاستعباد الانسان بطرق مستحدثة وصلت حد التدخل في عمل جينات الانسان وتكييف نفسيته عبر مواد تغير طريقة التفكير ( مثل المخدرات منها ال. أس .دي ) ، ولو كانت في الغرب قيم عليا انسانية واخلاقية تتحكم بقرارات حكام الغرب لما وصل عالمنا الى حالته المأساوية غير المسبوقة في التاريخ الانساني من حيث فظاعة الجرائم التي ترتكب كما نراها في العراق وسوريا وليبيا . لهذا فالدرس الذي اخذ العالم بغالبيته الساحقة يتقبله هو ان كل الجرائم التي ترتكب في الحروب واشعال الحروب وزرع الفتن من اجل نهب المال من الغير ماكان له ان يحدث لو كانت هناك قيم عليا تتحكم بالغرب وتجعله يحترم انسانية الانسان  اي بتعبير مختصر لو كانت لديه عقيدة انسانية حقيقية تتحكم بسلوك قادته واحزابه .

وهذه الحالة تثبت بلا غموض ان وجود قيم عليا في اي عمل سياسي رسالي شرط مسبق لقيام كيان متقدم ليس ماديا فقط بل وثري بالقيم الانسانية ايضا وقبل التقدم المادي لان الاخير فخ يمكنه اصطياد الانسان المجرد من القيم بسهولة وتحويله الى وحش كاسر كما نرى الامريكي والاوربي الان وهما يعربدان في العالم ، والاسلام بقيمه الحقيقية وليس كما قدمته منظمات متطرفة او ديماغوجية مصدر اساس للقيم العليا التي تهذب الانسان وتتحكم بنزعات انانية وعدوانية فيه مضفية على الاشتراكية روحا انسانية تحركها اخلاقيات راقية افتقرت اليها تجربة الاتحاد السوفيتي وكان ذلك احد اسباب انهياره رغم نجاحه في انهاء الفقر والامية .

الربط الجدلي ، اذن ، بين العروبة والاسلام ليس مجرد ضرورة ايمانية بل هو حتمية دنيوية عملية واجتماعية ايضا، والايمان بعقيدتين قومية حياتية وروحية دينية شرط مسبق لوجود انسان مسلح بقيم اخلاقية وقيم العدالة الاجتماعية والترابط القومي . البعث اكد بان الاسلام ليس فقط دينا سماويا مقدسا بل هو ايضا ثقافة قومية يعتنقها المسيحي وغير المسلم العربي مثلما هو تعبير  الايمان لدى المسلم ، وميشيل عفلق وطارق عزيز والاف البعثيين المسيحيين والصابئة وغيرهم يقدمون لنا امثلة حية لهذه الحقيقة . وهذا مصدر فخرنا واعتزازنا ومعين ثراءنا الفكري وتجددنا .

في ترابط جدلي بين عقيدة قومية منفتحة ودين انساني يقوم على عقيدة التوحيد نجد طريق الابداع لاننا نمتلك منهجا واضحا في البحث في ظل بيئة استقرار نفسي ووجداني مبعثه الايمان عندها نستطيع تعميق القدرة على الابداع والابتكار التغيير والتخلص من الارتباك والتذبذب بين الافكار نتيجة الانتقائية والتجريبية والبراغماتية . من هنا تنبع قداسة فكر البعث وهي لاتعني تعاليه على النقد ولا على التطوير فكلاهما اي النقد والتطوير جزء من عقيدتنا ، بل القداسة هي الالتزام بالاصول التي قام عليها البعث وانتمينا له بناء على وعينا لها ،  فهي مسألة التزام بما وعيناه واعجنبا به ثم تحول الاعجاب الى ايمان . واذا لم نقدس ما نؤمن به وجعلناه مثل اي شيء في الحياة فاننا نفقد اهم محركات التطور الانساني وهو وجود مقدس نحترمه ونعمل وفقا لضوابطه ومنطلقاته وهكذا نتحول الى مخلوقات لا يقيدها سوى الانا والسلوك الفردي النزق وهذا بالضبط هو جوهر (العقيدة)  الامريكية والغربية .

احترام انسانية الانسان يتجلى اعظم ما يتجلى في العقد الاجتماعي البعثي فمثل كل عقد اجتماعي ملزم رغم انه نتج عن اختيار حر بالكامل فان البعثي حينما انتمى للبعث كان قد وجد في عقيدته ما يريده او يحلم به ولهذا فان اساسيات فكر البعث ، اي عقيدته وستراتيجيته القومية العظمى تحديدا ، هما ما جذبنا اليه وجعلنا ننتمي اليه فاصبحا ملكا للعقد الاجتماعي ومكوناته ، فانا انتميت للبعث لانه حزب قومي عقائدي يربط بين القومية والاشتراكية من جهة ويجعل الاسلام روح العروبة من جهة ثانية ، وينفرد عن غيره من الاحزاب القومية بجعل التنظيم القومي جزء من تكوينه العضوي من جهة ثالثة ، ويحل  راي الجماعة محل  راي الفرد من جهة رابعة .

والعقد البعثي هو طريقة الانتماء للحزب فهي اختيارية وتتم بعد اعداد شامل للحزبي عقائديا وثقافيا وسياسيا وتنظيميا كي يكون واعيا لبعثيته وهويته وستراتيجية الحزب القومية العظمى ومحورها تحرير كل ارض عربية وتوحيد الامة العربية وبناء الاشتراكية وتمتع الانسان بالحرية ، وهذا العقد جعلنا خلال عقود نضالنا داخل البعث حراسه خصوصا حراس هويته وعقيدته بكل ما تميزت به اصلا ونقف بلا هوادة ضد كل محاولات التشويه او الانحراف تحت اي مظلة جاءتنا .

لماذا ؟ لان اي تغيير في المبادي الاساسية للبعث يعني فسخا للعقد الاجتماعي البعثي مما يؤدي الى الانحراف الكامل عن البعث وهويته ونضاله وثوابته المقدسة ، وهذا هو السبب الذي جعل دستور الحزب يحرم  بوضوح اي تغيير حتى بواسطة مؤتمر قومي للمواد الاساسية في الدستور  ، بتعبير اوضح : لا يملك حتى المؤتمر القومي وهو اعلى سلطة تشريعية في الحزب الحق في تغيير المواد الاساسية في دستور الحزب مادمنا انتمينا له ايمانا بما ورد في تلك المواد واي تغيير فيها يعني اننا بأزاء حزب اخر وليس البعث وهذا ما نرفضه رفضا حاسما وبلا اي تردد .

almukhtar44@gmail.com

             2-10-2016

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018