سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

أنيس الهمامي:الوطنيّة ليست شعارات ترفع، بل ممارسات نابعة من إيمان وقناعة.


  

تعتبر الوطنيّة من أكثر الشّعارات التي يرفعها ويتشبّث بها السّاسة والأحزاب وحتّى المفكّرون والمثقّفون والنّخب الإعلاميّة، حتّى غدت هذه الوطنيّة مسألة هلاميّة حينا ومرعبة أحيانا أخرى وعديمة القيمة والمعنى والصّلوحيّة في أحايين كثيرة أخرى.
وتتعمّق الصّعوبة في فهم الوطنيّة مصطلحا ومدلولا في وطننا العربيّ بالنّظر لما شابها دوما من تجاذب في معانيها وتراشق بالاتّهامات بين الخصوم والفرقاء حولها، حيث يسهل جدّا اتّهام كلّ من تخالفا في رأي أو تقدير لأمر معيّن بانعدام الوطنيّة أو الانسلاخ عنها والتّجرّد منها، بل إنّ في أغلب الأوقات تعرّضت الوطنيّة مفهوما للاختطاف من قبل الأنظمة الحاكمة واحتكرتها وأشهرتها سلاحا بوجه معارضيها فخوّنتهم جميعا
وألصقت بهم بالتّالي عاهات مثّلت حاجزا صلبا بينهم وبين الجماهير ما جعل من التّواصل بينهما شبه مستحيل.
إلاّ أنّه ومهما يكن الخلاف حول ماهيّة الوطنيّة، أو التّنظيرات بشأنها، فإنّ الممارسة الميدانيّة هي التي تضع منظّريها على المحكّ وتتضّح بالتّالي صحّة مزاعمهم من عدمها.
والتّطبيقات الميدانيّة للشّعارات الوطنيّة تتأثّر تأثّرا كبيرا بمدى خدمة الحاكم للجماهير ورعاية مصلحتها والرّقيّ بها وتوفير سبل التّطوّر لها وفتح أبواب الإبداع على مصراعيها أمامها بلا وصاية أو رقابة إلاّ بما يرتبط بالقانون وبالصّالح العام والأمن القوميّ.
وعلى هذه الأسس يمكن الحكم بموضوعيّة على وطنيّة هذا الحاكم أو ذاك، وقياس مدى وطنيّة هذا الحزب أو ذلك.
إنّنا بإلقاء نظرة بسيطة عمّا شهدته المنطقة العربيّة خلال السّنوات السّتّ الأخيرة، سنتبيّن بوضوح كبير مدى افتقار الفرق التي ادّعت المعارضة طويلا للأنظمة العربيّة التي تمّت الإطاحة بها للاستملاك الحقيقيّ لذلك المنسوب الأدنى من الوطنيّة والمسؤوليّة التي لطالما تغنّت بها وأنكرتها على تلك الأنظمة. فلقد صدم السّواد الأعظم من الجماهير العربيّة ممّا لامسه من تناقض كلّي بين خطب تلك الأطراف التي ركبت المعارضة طويلا وبين ممارستها الميدانيّة، فلقد اكتشف التّونسيّون مثلا الإخوان المسلمين على غير ما توقّعوه فيهم من زهد وتعفّف وإحساس بالمسؤوليّة، فتعرّضوا لحصار شبه مطبق من قبل حكّامهم الجدد، ورزحوا تحت التّهديد والوعيد ومخاطر تهديد نمطهم المجتمعيّ، وعايشوا فضائح بالجملة بلغت حدّ الذّهول ليس أقلّها من التّلاعب بالملفّات وتنامي المحسوبيّة والفساد وتفشيّ ظاهرة الموالاة والمحاباة ولا أعلاها الانغماس في سياسة المحاور وإقحام تونس في معارك وحروب لا مصلحة لها فيها بل ومهدّدة رأسا لأمنها القوميّ ناهيك عن محاربة المواطن البسيط في أمنه وقوته وحياته. كما أفاق اللّيبيّون على حقيقة من ادّعوا طويلا انّهم الحلّ الوطنيّ لليبيا، ولامسوا حقيقتهم الخيانيّة وعاينوا تذيّلهم للغرب الاستعماريّ وخاصّة تحالفهم مع الصّهيونيّ الأخطر برنارد هنري ليفي، وعايشوا ما اقترفه وطنيّو الأمس القريب من مجازر وحملات تخريب ممنهجة للدّولة اللّيبيّة. وكذلك كانت حال الملايين المصريّة التي كادت تساق لحرب أهليّة طاحنة بلا مبرّرات إلاّ خدمة مصلحة زمرة التّنظيم الدّوليّ للإخوان المسلمين.
هذا ويبقى العراق أفضل الأمثلة على الإطلاق من حيث تكثيف التّساؤل عن ماهيّة الوطنيّة، ويبقى المسرح الأسوأ بكلّ المقاييس لغياب تامّ لأدنى مقوّمات الوطنيّة وأبعادها وتجلّياتها.
ففي العراق بعد الغزو الأمريكيّ عام 2003، اضمحلّت كلّ مقوّمات الوطنيّة من المؤسّسات الرّسميّة في الدّولة باعتبار سيطرة المحتلّ عليها بادئ الأمر وإحلال وإرساء منظومة ولدت بتوجيهاته ورعايته وخدمة لأجنداته ومخطّطاته.
لكنّ أركان العمليّة السّياسيّة العميلة القائمة في العراق لليوم، لا تزال تصرّ دونما خجل على أنّها خيار وطنيّ وأنّ برامجها وسياساتها وطنيّة أو تنبع من حرص وطنيّ بالأساس رغم أنّ العراق يحتلّ جميع المراتب الأولى في كلّ قوائم الفساد والجريمة المنظّمة وانعدام القانون والتّخلّف العلميّ وتدنّي المستوى التّعليميّ والمعيشيّ معا رغم أنّه بلد نفطيّ غنيّ، ويتذيّل في المقابل كلّ قوائم العدالة واحترام حقوق الإنسان وغير ذلك.
إنّه ومهما تكن المجهودات الدّعائيّة لجوقة عملاء أمريكا وإيران في العراق، فإنّ أحوال المواطن العراقيّ تفضح كذب حكّامه المفروضين عليه. وإنّ حال العراق والوضع السّياسيّ العامّ فيه لا ينبئ بتحوّز هذه الزّمرة التي تغتصب حكم العراق على أدنى ذرّات الوطنيّة، بل لا يمكن ولا يجوز أصلا تناول الوطنيّة بتزامن ذلك مع الحديث عن حكّام جاؤوا على ظهور دبّابات الغزو.
لا معنى لوطنيّة في بلد محتلّ ولا استحقاق وطنيّ إلاّ لمن يصارع المحتلّين المغتصبين، ويؤثر مكابدة الخنادق على رفاهيّة الفنادق وغيرها.
وبالعودة لتعقّب آثار انتفاء الوطنيّة واضمحلالها واستحالة تحقّق ولو بقدر ضئيل ومحدود جدّا في حكّام العراق اليوم، يحضر بقوّة ذلك الفصل اللاّفت من فصول الكوميديا السّوداء الذي فشل في عرضه حيدر العبادي من خلال ما أبداه من حرص مفاجئ على السّيادة الوطنيّة العراقيّة بمناسبة استعداد فرق موته وميليشيّاته الطّائفيّة والتي تبيد شعب العراق وتقتّله على الهويّة لارتكاب مجزرة جديدة بحقّ الموصل كبرى مدن العراق. ويتمثّل حرص العبادي في تشبّثه برفضه لأيّ تدخّل تركيّ منتظر في الشّمال العراقيّ مصنّفا ذلك في دائرة العدوان على دولة ذات سيادة.
فهل يصدّق العبادي نفسه، وهل يعتقد أنّ أحدا في هذا العالم بمصّدق لدعواه وحديثه عن سيادة في العراق؟ وهل يجوز الكلام عن مفهوم للسّيادة زمن الاحتلال العسكريّ المباشر، وما بالك بحال العراق وهو محتلّ رسميّا من إيران برعاية حليفتها أمريكا؟؟
ألا يدرك العبادي ولا يلمس آثار المسار الاحتلاليّ الإيرانيّ للعراق؟ وهل أنّ سيادة العراق لا تنتهك متى اغتصب الإيرانيّون القرار السّياسيّ في العراق ومتى نهبوا خيراته ومتى استباحوا كلّ حرماته وحرمات أهله؟ 
ألا تقتضي الوطنيّة فيما تقتضيه أن يرعى الحاكم مصالح شعبه ووطنه ويتصدّى لأيّ اعتداء خارجيّ مهما كان مصدر الاعتداء؟ فكيف إذن يجرؤ العبادي أن يدّعي أنّه مسكون بالوازع الوطنيّ، ويتأقلم هذا الوازع مع أهواء صاحبه ولكنّه يتحسّس حصرا من التّدخّل التّركيّ وهو الأقل من بين كلّ المتدخّلين في الشّأن العراقيّ والفاعلين فيه سواء عسكريّا أم مخابراتيّا أم ديبلوماسيّا كالأمريكان والإيرانيّين والصّهاينة والأوروبيّين وبتنسيق حثيث مع العبادي نفسه؟   
هذا وبالبقاء في الشّأن العراقيّ، تتكرّر نفس فصول مسرحيّة العبادي مع سلفه نوري المالكي الذي بدعوى الوطنيّة يشنّ هجوما لاذعا على أحد خصومه وغرمائه مسعود البرزاني ويتّهمه بالعمالة للكيان الصّهيونيّ، متناسيا أو متجاهلا لعمالته الصّريحة لإيران وهو أمر ثابت ومؤكّد لطالما أقرّته السّلطات الإيرانيّة نفيها معتبرة المالكي أحد أهمّ من خدم مشروعها وبرامجها لا في العراق فحسب بل وفي كلّ الوطن العربيّ وعلى امتداد عقود منذ ثمانينات القرن العشرين حيث قاتل في صفوف الجيش الإيرانيّ بلاده الأصليّة العراق.
هكذا صيّر حكّام العراق الوطنيّة وأخضعوها للعرض والطّلب، وأسقطوها في حكم الأمزجة والتّقلّبات والرّهانات السّياسيّة.  
إنّ الوطنيّة كلّ لا يتجزّأ، وهي إيمان ومبدأ يتكرّسان من خلال جملة من المواقف والقرارات الشّجاعة القاضية بتأمين الحياض والحدود التّرابيّة وبخدمة الجماهير التي تقطن تلك الأرض والسّهر على توفير ممهّدات الحياة الكريمة بعيدا عن المساومات والابتزازات، وليست مجرّد شعارات تطلقها حناجر أو تخطّها أقلام في لحظة انتشاء أو رئاء. 

أنيس الهمّامي

لجنة نبض العروبة المجاهدة للثّقافة والإعلام 
تونس في 28-10-2016

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018