سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

أنيس الهمامي - الشّعب السّوريّ ضحيّة الصّراع الرّوسيّ الأمريكيّ


لم تقتصر معاناة الشّعب السّوريّ عمّا يلاقيه يوميّا من بطش واضطهاد وقمع وتقتيل وحشيّ دأب النّظام على انتهاجها أساليب يوميّة منذ ستّ سنوات في تعامله مع مطالب السّوريّين وذلك في محاولة منه للحفاظ على بقائه وإنكار مطالب الجماهير المنتفضة عليه والرّافضة لسياساته كافّة، بل تطوّرت وتعمّقت لتشمل تلك المعاناة أوجها أخرى وأبعادا أكثر خطورة لعلّ أهمّها على الإطلاق صراع المحاور والأحلاف الدّوليّة في سوريّة، وذلك خصوصا بعد استقواء النّظام بمحاور أجنبيّة وأقطاب دوليّة وإقليميّة ممثّلة في إيران والميليشيّات التّابعة لها من جهة والرّوس من جهة أخرى.

إنّ المواجهات الدّامية التي تشهدها سوريّة والحرب الأهليّة التي تلحق بالشّعب السّوريّ أذى غير مسبوق وإن كانت كفيلة بأن تحوّل حياة السّوريّين إلى جحيم لا يطاق بفعل الممارسات القمعيّة والوحشيّة المفرطة التي طبعت أداء النّظام وطغت على معالجته للملفّ قبل أن يفلت من يديه تماما، فإنّها تعمّقت تداعياتها واستفحلت نتائجها بفعل اتّساع رقعة الصّراع وتزايد اللاّعبين فيه وحضورهم للميدان حضورا مباشرا غير مكتفين بدورهم عن بعد. وتحوّل السّوريّون إلى ضحايا مزدوجة لجهات آثمة معتدية وإرهابيّة كثيرة، فبعد أن كانوا ضحيّة النّظام بادئ الأمر، صاروا ضحايا الميليشيّات الطّائفيّة بعناوينها المعروفة وبوجهاتها المتلوّنة والعصابات الإرهابيّة المأجورة المرتبطة كلّ منها بمحور إقليميّ على حدة، وغدوا ضحايا تآمر الجوار العربيّ الرّسميّ من جهة والجوار التّركيّ على الحدود الشّماليّة على الشّعب السّوريّ ومقدّراته وثرواته، ناهيك عن كونهم منذ البدء ضحايا للتّحالف الاستراتيجيّ المخزي للنّظام الأسديّ مع إيران بما لها من أطماع واجندات لا تخفى على ذي بصيرة.
وكأنّ مأساة السّوريّين تأبى التّوقّف عند هذه الحدود المفزعة لتتكثّف الأهوال ويتعاظم البلاء عليهم خصوصا بعد استقدام النّظام للمارد الرّوسيّ الباحث عن مكان تحت الشّمس والطّامع بدوره عن نصيب من الكعكة المغرية في المنطقة وخصوصا موارد الطّاقة المكتشفة في أرض سوريّة وبحرها وما توفّره سوريّة من موطئ قدم استراتيجيّ حيويّ ومهمّ يمكّنه من المرور لقلب أروبّا بتكاليف أقلّ. وليس من أمر أشدّ وضوحا من تداعيات التّدخّل الرّوسيّ في سوريّة حيث أفسدت الأسلحة الرّوسيّة الفتّاكة الحياة ببلاد الشّام وأبادت أهلها إبادة عنصريّة حاقدة مدّعية مساعدة سوريّة على الخلاص من التّنظيمات الإرهابيّة.
وتتواصل مشاهد الكوميديا السّوداء في الملفّ السّوريّ لتبلغ مظاهر التأزّم مداها ولتعانق ويلات السّوريّين مراتب صادمة ومفجعة بفعل الصّراع الرّوسيّ الأمريكيّ والذي لم تفلح ديبلوماسيّة الجانبين في إخفائه واتّضاح معالمه.
يعلم الجميع أنّ روسيا ما كان ليكون لها كلّ هذا الدّور المهمّ في سوريّة لولا الموافقة المسبقة من الولايات المتّحدة الأمريكيّة على ذلك بل والتّنسيق بينهما، ويدرك الجميع أيضا أنّ حضور الرّوس كان مضبوطا بحكم التّنسيق المشار إليه سابقا والذي شدّدت عليه المواقف الرّسميّة الرّوسيّة في عشرات المرّات وهو ما تؤكّده حركة الملاحة في السّماء السّوريّة، وأنّ هذا الضّبط كان شاملا للحدود وللمهامّ، فالرّوس والأمريكان على حدّ سواء لا يرغبان في إنهاء أزمة سوريّة ولا في معالجة مأساة شعبها، بل على العكس تماما فإنّ ذلك آخر ما يعينهما، ولكنّهما جعلا من روسيا مسرحا لقضم الأصابع بينهما بإرادتهما وبدون مواربة، ويتّضح ذلك من خلال تبادل الاتّهامات بينهما في التّفاعل مع أحداث بذاتها، فالرّوس مثلا يدينون وحشيّة الأمريكان في العراق فيما يدين الأمريكان وحشيّة الرّوس في سوريّة دون أن تترجم تلك الإدانات لإجراءات رادعة على أرض الواقع.
وبالعودة لحلقات الصّراع الأمريكيّ الرّوسيّ في سوريّة، فلقد اتّضحت معالمه بعد صعود الإدارة الأمريكيّة الجديدة التي خذل رئيسها " صديقه كما سّماه خلال الحملة الانتخابيّة " بوتين الطّامح لإعادة مجد الاتّحاد السّوفييتيّ وتكشّفت آخر مظاهره عبر الضّربة الأمريكيّة لمطار الشّعيرات والذي أثار حفيظة الرّوس واعتبروه تحدّيا لحليفهم السّوريّ واعتداء على مجال نفوذهم.
وإنّ هذا الصّراع في الواقع لا يجب تضخيمه ولا الإطناب في تتبّع معالمه للحدّ الذي سمح للبعض بالحديث عن إرهاصات تجدّد الحرب الباردة إذ لا تتوفّر روسيا بوتين على مقوّمات منطقيّة تجعلها قادرة على استنساخ التّجربة السّوفييتيّة، ولكنّه في المقابل لا يتجاوز حدّ الانفعال والتّراشق الإعلاميّ بالتّهم لا يعكس بحال من الحوال انتصارا لسوريّة ولأرضها ولشعبها.
وإنّ المتضرّر الأوحد في كلّ هذا الصّراع الملغوم والموهوم في آن بين الرّوس والأمريكان هو حتما الشّعب السّوريّ الذي يرزح قسم منه تحت وابل الموت الروّسيّ فيما يموت القسم الآخر بالقنابل الأمريكيّة ليهلك القسم المتبقّي مرّة ببراميل بشّار المتفجّرة ومرّة على يد الميليشّات الطّائفيّة المرعيّة من إيران ومرّة على يد حرسها الثّوريّ ومرّة على يد داعش ومشتقّاتها.
وما هذا الموت إلاّ برعاية وإشراف روسيّ أمريكيّ مباشر، لأنّهما الجهتان الأكثر فعلا وتأثيرا في السّاحة السّوريّة وسط الاستخذال الرّسميّ العربيّ المتواصل، ولأنّهما الضّالعان الأبرزان في كلّ معالم المؤامرة التي تستهدف المواطن العربيّ وخصوصا السّوريّ.

أنيس الهمّامي
نبض العروبة المجاهدة للثّقافة والإعلام
توس في 13-04-2017

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018