سعد بن ابي وقاص سعد بن ابي وقاص

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

أنيس الهمّامي - رفع علم كردستان في شمال العراق: حيثيّات ومقاصد



أثارت حادثة رفع علم كردستان وإقرار ذلك في كلّ المباني الحكوميّة بالإقليم جنبا إلى جنب مع العلم العراقيّ ردود فعل كثيرة سواء داخل العراق أم خارجه، ووصلت حتّى التّهديد بإمكانيّة إقدام الحكومة المركزيّة في العراق على اتّخاذ تدابير صارمة قد تصل حدّ التّدخّل العسكريّ لمنع ذلك.
وبغض النّظر عمّا رافق القرار الكردستانيّ من تباينات واضحة في الدّاخل العراقيّ على الأقلّ في مستواه الرّسميّ – وهو المرتبط والنّاتج عن الغزو – فإنّ التّباينات الأخطر هي تلك الخارجيّة التي عبّرت عنها مواقف قوى إقليميّة مؤثّرة في العراق بشكل واضح كإيران وتركيا خصوصا، حيث رفضت كلّ منهما رفع العلم رغم الاختلاف في دوافعها للرّفض. فإيران تحاول جهد الإمكان تبنّي موقف عملائها المباشرين خصوصا في حزب الدّعوة وكلّ العمليّة القائمة على المحاصصة الطّائفيّة في العراق ودعم العمليّة السّياسيّة المتهالكة لما لاستمرارها من منافع ومغانم حيويّة لها، بينما تنظر تركيا بريبة وقلق شديدين من أيّ تطوّر في السّاحة الكرديّة وتتمسّك في مواقفها برفض أيّ خطوة من شانها المسّ من وحدة العراق، ليس حبّا بالعراق وبشعبه ولكن ضمانا لمصالحها
الاستراتيجيّة والمتاجرة بموضوع الاقلية التركمانية من العراقيين. ولا يخفى أنّ قيام دولة كرديّة في كردستان العراق سيشكّل صداعا مزمنا لأنقرة ناهيك وأنّها تخوض حربا مفتوحة ضدّ أكراد تركيا الذين سيستفيدون استفادة لا نظير لها إن تحقّق لكرد العراق إقامة دولتهم في الشّمال العراقيّ أو مزيد تفعيل حكمهم الذّاتي وتناميه.
هذا ويبقى أهمّ المواقف على الإطلاق في هذا الشّأن الموقف الأمريكيّ، حيث جاء مزدوجا ومخاتلا ومتناقضا وذلك بالنّظر لردود الفعل والتّصاريح الصّادرة سواء من وزارة الخارجيّة أو من الجنرالات الذين يزورون بغداد هذه الأيّام ضمن وفد أمريكيّ رفيع. فلقد اعتبرت وزارة الخارجيّة الأمريكيّة على لسان أحد النّاطقين بها حادثة رفع العلم الكردستانيّ شأنا عراقيّا داخليّا صرفا تعود أولويّة حسمه للعراقيّين منوّها بتشجيع الأمريكيّين للعراقيّين على الحفاظ على وحدتهم، فيما رأى أحد كبار الجنرالات أنّ من شان هذه الحادثة أن تؤثّر على العمليّات الدّائر رحاها في الموصل وتحديدا على الحرب على تنظيم داعش الإرهابيّ وفق المقاصد الأمريكيّة.
إنّه وبالنّظر لهذين التّصريحين لهذين المسؤولين الأمريكيّين، وبالوقوف عندهما سنخلص لحقيقة مفادها أنّ الموقف الأمريكيّ وعلى عكس ما يحمله ظاهر الكلام، يقوم أساسا على تشجيع الخطوات والإجراءات المؤدّية لتقسيم العراق أو لفصل إقليم كردستان عنه في الحدود الدّنيا لما لذلك من تحقيق لإحدى أسباب الغزو الأمريكيّ للعراق عام 2003.
وفي الحقيقة فإنّ آخر ما يشغل الأمريكيّين أمن العراق ووحدته التّرابيّة، بل إنّ ذلك يتناقض رأسا مع الخطط السّرّية الأمريكيّة المعتمدة منذ قرار الغزو، ويتعمّق الأمر بالنّظر للتّطوّرات الميدانيّة في سوريّة حيث تقدّم أمريكا دعما كبيرا للأكراد فيها في مساعي لتفتيت الدّولة السّوريّة.
لقد لخّص الجنرال الأمريكيّ حقيقة الموقف الأمريكيّ وتحدّث عنه بصراحة كبرى، فاقتصر بذلك خوفه كلّه في إمكانيّة خلق هذا القرار لمشاكل فيما يسمّى بالحرب على داعش في الموصل التي تشهد إبادة عرقيّة وهولوكست مفتوحا تشترك فيه حكومة المجرم العبادي وإيران والتّحالف الدّوليّ بزعامة أمريكا. وإنّه من الضّرورة بمكان أن نؤكّد على أنّ كلّ هذه المخاوف ليست إلاّ لمزيد التّعمية عن الاشتراك المخزي والمهين للجرائم المتواصلة والجحيم المفتوح في الموصل، وما التّعكّز على رواية الحرب على داعش إلاّ للتّفصّي من تبعات المسؤوليّة الشّاملة للولايات المتّحدة الأمريكيّة لحماقتها وحربها الإجراميّة الظّالمة على العراق منذ 2003 وما قبله. 
ومهما يكن من أمر، فإنّ مستقبل العراق يتحدّد بعاملين أساسيّين لا ثالث لهما وهما استمراريّة المقاومة العراقيّة الباسلة في مطاردة الغزاة والمحتلّين وبيادقهم وجميع ما تفرّع عن الغزو الجائر للعراق ومزيد التفاف الشّعب العراقيّ حولها وعمله على إفشال مخطّطات الأعداء والتي تهدف أساسا لتقسيم العراق وما ينتجه ذلك من أزمات لن ينجو منها أحد. وإنّ الجماهير الكرديّة في تحياتي لن تتنازل عن عراقيّتها مهما تهيّأ خلاف ذلك للمخاوزين والمتآمرين على وحدة العراق وسلامته، ذلك أنّ أكراد العراق لطالما تفّيؤوا خيرات العراق وساهموا في نمائه وازدهاره وفي صدّ الأعداء وضرب دسائسهم.  

أنيس الهمّامي 
نبض العروبة المجاهدة للثّقافة والإعلام
تونس في 04-04-2017

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

سعد بن ابي وقاص

2018